الاثنين، 29 أبريل 2013

من أوائل المدونات الجهادية!



قليل من التفت إلى المدونات الجهادية يتتبع أهميتها، ويبحث عن أوليتها تاريخًا وأثرًا، ولعل هذا التجاهل مردُّه إلى ضعف الحالة الإسلامية عمومًا، وتأثّرها بدعايات سوداء جعلت الجهاد في سبيل الله لصيق الإرهاب، فخفتت أهمية الحديث عنه والتنقيب في مظانّه ومصادره، وما أُحيط بتأليفه من الأحداث والدوافع.
وإذا كان كتاب ابن النحّاس الدمشقي المولد الدمياطي الوفاة "مشارع الأشواق إلى مصارع العشّاق" الذي كتبه مؤلفه في بدايات القرن التاسع الهجري من أجمع وأنفس ما كُتب في الجهاد؛ فإن هذا المصنّف قد ذكر صراحة في مقدمة كتابه الآنف أنه استعان واستفاد كثيرًا بكتاب الجهاد للإمام العالم المجاهد عبد الله بن المبارك (ت181هـ)، والحق أن غالب من ألّف في الجهاد في باب المدونات الفقهية أو في حديث رسول الله r لابد وأن ينقل عن ابن المبارك في هذا الباب.
 ومما يلفت النظر في الكتابين أن مؤلفيهما كانا من العالمين المجاهدين، فابن النّحاس استشهد مقبلاً غير مدبر في واقعة مع الروم في طينة دمياط سنة 814هـ، وابن المبارك توفي في هيت وهو قافلٌ من جهاد الروم كما كان دأبه، رحمهما الله وغفر لهما.
وإزاء هذه النماذج السامقة التي كتبت بروحها هذه المصنفات كان لزمًا علينا أن نقف مع أول هذه المصنفات وأقدمها وهو كتاب "الجهاد" للإمام ابن المبارك رحمه الله؛ لنرى كيف أثّر هذا الكتاب وهي مدونة جمع فيها حديث رسول الله r وصحابته وبعض التابعين وآرائهم في هذه القضية التي تنبّه ابن المبارك لها وأفرد أول مصنف فيها في بواكير التدوين في القرن الثاني الهجري، لكن قبل ذلك علينا أن نقف مع ابن المبارك ذاته؛ إذ لا تتضح الصورة كاملة إلا إذا أخذنا نتفًا من حياة الرجل وسيرته.
***
وُلد عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي في مرو[1] عاصمة إقليم خراسان في عام 118هـ عاش ابن المبارك سنوات الصبا يُشاهد أفول الدولة الأموية، قريب من الثورة العباسية المسلحة التي انطلقت من خراسان لتنجح في الإطاحة بملك بني أمية سنة 132هـ، وكلنا يعلم أن بغداد قد ابتدئ في عمارتها سنة 145 إلى سنة 149هـ، وأن مقر العباسيين في العراق آنئذ كان في الأنبار غرب بغداد.
خرج إلى العراق أول ما خرج في سنة 141هـ، فأخذ العلم عن بقايا التابعين في عصره وأكثر من طلب العلم حتى قال فيه الإمام أحمد: لم يكن في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه. رحل إلى اليمن ومصر والشام والبصرة والكوفة، وكان من رواة العلم وأهل ذلك، كتب عن الصغار والكبار، وجمع أمرًا عظيمًا، وكان صاحب حديث حافظًا.
أخذ ابن المبارك الحديث والفقه والقراءات عن شيوخ كثيرين، فقال عن نفسه: حملت عن أربعة آلاف شيخ، فرويت عن ألف منهم[2]!
وقد التقى بالإمام أبي حنيفة وأخذ عنه وسأله "عن الرجل يبعثُ بزكاة ماله من بلد إلى آخر، فقال: لا بأس بأن يبعثها من بلد إلى بلد آخر لذي قرابته. فحدثتُ بهذا محمد بن الحسن، فقال: هذا حسن، وهذا قول أبي حنيفة، وليس لنا في هذا سماع عن أبي حنيفة. قال: فكتبه عني محمد بن الحسن عن ابن المبارك عن أبي حنيفة"[3].
كما التقى ابن المبارك بالإمام مالك، فعن يحيى بن يحيى الليثي أحد رواة الموطأ تلميذ الإمام مالك، قال: "كنا عند مالك، فاستؤذن لعبد الله بن المبارك بالدخول، فأذن له، فرأينا مالكًا تزحزح له في مجلسه، ثم أقعده بلصقه، وما رأيتُ مالكًا تزحزح لأحد في مجلسه غيره، فكان القارئ يقرأ على مالك، فربّما مرّ بشيء فيسأله مالك (أي يسأل ابن المبارك): ما مذهبك في هذا؟ أو ما عندكم في هذا؟ فرأيتُ بن المبارك يجاوبه. ثُم قام فخرج، فأُعجب مالك بأدبه، ثم قال لنا مالك: هذا ابن المبارك فقيه خُراسان"[4].
وقد كان رحمه الله ممن  يتثبّتون في الرواية ويتحرون في الإسناد؛ ففي مقدمة صحيح مسلم: "حدثنا محمد بن عبد الله بن قهزاد، عن أبي إسحاق الطالقاني، قال: قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن! الحديث الذي جاء: (إن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك، وتصوم لهما مع صومك). فقال: يا أبا إسحاق، عمن هذا؟ قلت: هذا من حديث شهاب بن خراش. قال: ثقة، عمن؟ قلت: عن الحجاج بن دينار. قال: ثقة، عمن؟ قلت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فقال: إن بين الحجاج وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي، ولكن ليس في الصدقة اختلاف"[5].
ونظرًا لتحرّي ابن المبارك الأسانيد الصحيحة، وشدة تثبّته في روايتها ودقته وضبطه لمتونها قال الحافظ الذهبي عنه: "وحديثه حجةٌ بالإجماع، وهو في المسانيد والأصول"[6].
***
لقد كان ابن المبارك يقضي جُلّ أوقاته في الجهاد في سبيل الله، وكان يُقاتل ويبلى بلاء حسنًا؛ ولعل هذا الوله بالجهاد كان له أكبر الأثر في تصنيف كتاب "الجهاد".
 فمما يُحكى عن شجاعته، ما أخبر به أحد رفاقه في إحدى سراياهم في بلاد الروم، قال: "كنا سرية مع ابن المبارك في بلاد الروم، فصادفنا العدو، فلما التقى الصفان، خرج رجل من العدو، فدعا إلى البراز، فخرج إليه رجل، فقتله، ثم آخر، فقتله، ثم آخر، فقتله، ثم دعا إلى البراز، فخرج إليه رجل، فطارده ساعة، فطعنه، فقتله، فازدحم إليه الناس، فنظرت، فإذا هو عبد الله بن المبارك، وإذا هو يكتم وجهه بكمه، فأخذت بطرف كمه، فمددته، فإذا هو هو، فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا"[7].
ومما أثر كذلك عنه أنه إذا جاء وقت القسمة غاب، فقيل له في ذلك. فقال: يعرفني الذي أقاتلُ له[8].
لذا كان رحمه الله ينعى على النسّاك القاعدين عن الجهاد كسلهم وخمُولهم وسوء فهمهم لمعنى العبادة، فقد روي عنه قوله[9]:
أيها الناسك الذي لبس الصو       ف وأضحى يُعدُّ في العُبّاد
الزم الثغر والتعبد فيه       ليس بغدادُ مسكن الزهاد
إن بغداد للملوك محلٌّ      ومناخٌ للقارئ الصياد
وتعد رسالته المنظومة للفضيل بن عياض أشهر ما كُتب في الحضّ على الجهاد وكتبها وهو مرابطٌ في طرسوس في منطقة التماس مع العدو الرومي، جاء فيها:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك في العبادة تلعبُ
من كان يخضب جيده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضّبُ
أو كان يتعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم الصبيحة تتعبُ
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... رهج السنابك والغبار الأطيبُ[10]
ولقد أتانا من مقال نبينا ... قول صحيح صادق لا يكذبُ
لا يستوي وغبار خيل الله في ... أنف امرئ ودخان نار تلهب[11]
هذا كتاب الله ينطق بيننا ... ليس الشهيد بميت لا يكذبُ
لقيت الفضيلُ بكتابه في الحرم، فقرأه، وبكى، ثم قال: صدق أبو عبد الرحمن ونصح"[12].
***
وكتاب الجهاد للإمام ابن المبارك نُشر ثلاث مرّات: الأولى في تونس سنة 1390هـ والثانية في بيروت في 1391هـ والثالثة في القاهرة سنة 1398هـ كما يذكر في "معجم التاريخ التراث الإسلامي"[13].
وأشهر هذه التحقيقات وأولها ما قام به الأستاذ الدكتور نزيه حمّاد الذي يقول: "كتاب ابن المبارك الذي سمّاه الجهاد اعتمدتُ في تحقيقه على النسخة الوحيدة في العالم – فيما أعلم – التي أشار إليها بروكلمان وسيزكين والمحفوظة في مكتبة لايبزج بألمانيا تحت رقم 320، والبالغ عدد أوراقها 40 ورقة، ويرجع تاريخ كتابتها إلى القرن الخامس الهجري أو قبله؛ فإن عليها ثلاثة سماعات، اثنين منها مؤرّخ بسنة اثنين وستين وأربعمائة، والثالث بسنة ثلاث وستين وأربعمائة وهي مجزأة إلى جزئين"[14].
وقد تتّبع الدكتور نزيه في مقدمة تحقيقه لهذا الكتاب رواة الكتاب مسترشدًا بآراء علماء الجرح والتعديل والرجال فيهم[15].
ولقد انبنت فكرة الكتاب على ذكر ما للجهاد والمجاهدين من الفضل، وما أعدّه الله عز وجل للمجاهدين في سبيله من الأجر، خاصة من قتل في سبيل الله في ساحة الوغى، والمؤلف يحشد في ذلك من الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة ما يحضره بهذا الصدد، ولاسيما ما تعلَّق منها بتفسير الآيات التي وردت بشأن الجهاد، وقد أورد تبعًا لمنهجه هذا أحاديث في المغازي النبوية؛ كبدر، وأحد، وحنين وغيرها.
ويمكن أن نقتبس من "كتاب الجهاد" هذه النماذج الثلاث التالية، وهي من أول الكتاب ووسطه ونهايته؛ لنقرّب إلى القارئ بصورة عملية بعض ما جاء فيه، وذلك بحسب ترقيم المحقق للحديث والخبر:
16 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ رَحْمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنُ المُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ أَبِي إِيَاسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَهْبَانِيَّةً، وَرَهْبَانِيَّةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[16].
122 - أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْآبَنُوسِيُّ الصَّيْرَفِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِبَغْدَادَ، وَأَنَا حَاضِرٌ أَسْمَعُ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَتْحِ الْجَلِيُّ الْمَصِّيصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ مُحَمَّدُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ مُوسَى الصَّفَّارُ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ بِالْمِصِّيصَةِ، حَدَّثَنَا ابْنُ رَحْمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} [الحجرات: 3] قَالَ: فَقَعَدَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِي بَيْتِهِ، وَقَالَ: لَا أَرَانِي إِلَّا كُنْتُ أَرْفَعُ الصَّوْتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَافْتَقَدَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنْ شِئْتَ عَلِمْتُ لَكَ عِلْمَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَتَاهُ، فَوَجَدَهُ مُنْكَسِرَ الْوَجْهِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افْتَقَدَكَ، وَسَأَلَ عَنْكَ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَرْفَعُ الصَّوْتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ لَهُ مَا قَالَ. قَالَ مُوسَى بْنُ أَنَسٍ: فَأَتَاهُ الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ بِبِشَارَةٍ عَظِيمةٍ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَكِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ»[17].
256 - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيْمُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا سَعِيْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنَ المُبَارَكِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ سَابِقٍ الْبَرْبَرِيِّ قَالَ: «كَتَبَ مَكْحُولٌ إِلَى حَسَنٍ الْبَصْرِيِّ، فَجَاءَ كِتَابُهُ وَنَحْنُ بِدَابِقَ فِي الرَّجُلِ يَطْلُبُ عَدُوَّهُ، وَهُمْ مُنْهَزِمُونَ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، أَيُصَلِّي عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ؟ قَالَ: بَلْ يَنْزِلُ، فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، فَإِنْ كَانَ عَدُوُّهُمْ يَطْلُبُوهُمْ، فَلْيُصَلِّ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ إِيمَاءً»[18].
والكتاب مسلسل ب262 حديث وخبر وتعليق، كلها عن الجهاد وفضله.
وبعدُ؛ فإن هذا المقال محاولة أولية لإعادة تعريف عموم القرّاء بمصدر من مصادر قوتنا الغائبة، ومظانّ تراثنا العامرة التي يُحتاج معها إلى إعادة النشر والانتشار، ولعله يكون بداية لسلسلة مقالات عن المدونات الجهادية التي جمعت حديث رسول r وأخبار أصحابه وآرائهم وكذا التابعين وتابعيهم في هذا الباب المهم، والذي يُعدُّ أصلاً أصيلاً في فقه مقاومة العدوان ونشر الدعوة.





[1] تقع مرو الآن في جمهورية تركمانستان شمال أفغانستان وشرق إيران.
[2] علاء الدين مغلطاي: إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال 8/154.
[3] محيي الدين الحنفي: الجواهر المضية في طبقات الحنفية 1/282.
[4] الذهبي: سير أعلام النبلاء 8/420.
[5] صحيح مسلم 1/12. ومقصوده: مفاوز جمع مفازة وهي الأرض القفر البعيدة عن العمارة وعن الماء التي يخاف الهلاك فيها، ( ليس في الصدقة اختلاف ) معناه أن هذا الحديث لا يحتج به ولكن من أراد بر والديه فليتصدق عنهما فإن الصدقة تصل إلى الميت وينتفع بها بلا خلاف بين المسلمين.
[6] الذهبي: سير أعلام النبلاء 8/380.
[7] الذهبي: سير أعلام النبلاء  8/395
[8] محيي الدين الحنفي: الجواهر المضية في طبقات الحنفية 1/534.
[9] الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 1/315، 316.
[10]  الرهج والرهج: الغبار، والسنابك جمع سنبك طرف حافر الخيل وجانباه من قدام.
[11]  يشير إلى الحديث الذي أخرجه أحمد 2 / 256 و342 و441. والنسائي 6 / 12، 13، 14، والحاكم 2 / 72، والبيهقي 9 / 161، من حديث أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدا، ولا يجتمع الشح والايمان في قلب عبد أبدا ".
[12] الذهبي: سير أعلام النبلاء 8/412، 413.
[13] علي الرضا قرّه بلوط و أحمد طوران قُرّه بلّوط: معجم التاريخ التراث الإسلامي ص1421.
[14] ابن المبارك: كتاب الجهاد، مقدمة المحقق د نزيه حماد ص45، 46. طبعة دار المطبوعات الحديثة.
[15] اعتمدتُ في كتابة هذا المقال على نسخة الدار التونسية المطبوعة سنة 1972م، ونسخة دار المطبوعات الحديثة – جدة، بدون.
[16] ابن المبارك: كتاب الجهاد ص35. الدار التونسية.
[17] ابن المبارك: كتاب الجهاد ص101. الدار التونسية.
[18] ابن المبارك: كتاب الجهاد ص182. الدار التونسية.

الأربعاء، 17 أبريل 2013

الإخوان ومآل الدولة المصرية!



في كتابه "الإسلام وأوربا .. تعايش أم مجابهة" كتب مؤلفه السويدي "إنجمار كارلسون" يقول: "في نظام سياسي قائمٌ على القانون الإلهي لا يمكن حدوث تحولات أيديولوجية كبيرة أو تبني أنظمة بديلة ... بناء على ذلك يستحيل تصور قيام أحزاب سياسية إذ لا محل لهذه في دولة يحكمها "الأصوليون"؛ لأنه لا يجوز السماح بوجود أي حزب آخر سوى حزب المؤمنين .. ولكن "الأصوليين" شجعوا تأسيس مجالس منتخبة وسمحوا بها؛ إذ رأوا فيها أدوات لتجسيد معنى الشورى التي ورد ذكرها في القرآن والتي نصَّت على ضرورة قيام الحكام بمشاورة المحكومين".
هذا النص المهم الذي يختزل بصورة جيدة حقيقة التحول الفكري للإسلاميين – بمفهوم الإسلامية السياسية، وهو ما يناقض الفريق العلماني – من العزوف عن الدخول في العملية السياسية الديمقراطية إلى الفاعلية ومحاولة السيطرة لا مجرد التأثير فقط ينطبق على أغلب القوى السياسية الإسلامية الفاعلة في مصر حاليًا.
بل إنه كان من المشكوك فيه – أي هذا النص – إذا حاولنا جعله أداة تفسيرية لفهم النشاط السياسي للإسلاميين كلهم، خصوصًا على الفريق السلفي منهم مثل الدعوة السلفية السكندرية وما انبثق عنها حزب النور السلفي والوطن وما شابه، وقد كان من المرجح طبقًا لأطروحات هذه المدرسة قبل الثورة مثلاً أن تسعى لجعل المحافل العلمية كإنشاء جامعات خاصة بها أولوية قصوى في مناخ ما بعد الثورة، لكن الذي حدث هو هجوم كاسح، وانطلاق لم يكن متوقعًا للخوض في غمار السياسة وهو ما ترتّب عليه بعض الآثار السلبية وأكبرها عدم القدرة على مواجهة شراسة الحكم العسكري الذي تنامى وكاد أن يظل حاكمًا أوحدًا للمصريين!
على أية حال، عامان ونصف والإسلاميون في مرحلة التيه؛ صحيح أن الثورة والدولة مفاهيم بدت أكبر من فهم الإسلاميين لها؛ وكيفية التعامل معها، إذ حتى الآن لا نكاد نرى نجاحًا ملموسًا في أي أهدافهما، سواء على صعيد مفهوم "الحكم الرشيد" أو "الثورة الناجحة"!
هذا التيه والتخبط بل والتناحر، بل والغرق في مستنقع الدولة القديمة التي يحرسها الجيش والقضاء ولاحقًا الإعلام طرح سؤالاً مهمًا في الفترة الأخيرة على لسان فريق لا بأس من شباب الإسلاميين: هل سبيل الحزبية هو السبيل المستقيم للوصول إلى الدولة الإسلامية أو على أقل الدولة المنشودة بمعايير الدولة في العالم المتقدم؟!
ثمة فريقان من الإسلاميين في مصر تحركهما دوافع شتى كل منهما يسير عكس الآخر:
الأول: وهو الفريق التقليدي الذي تحدثنا عنه الآن ويغلب عليه الجيل المؤسس للحركة الإسلامية وجيل الوسط والأنصار من الشباب المؤمن بهذه القيادات الإسلامية.
الثاني: وهو الجيل الثالث أكثرهم تحررية وثورية يرى أن طريق الحزبية طريق فاشلٌ، بمعنى آخر "زوبعة في فنجان" طالما يتجاهل تحديات أصيلة، وحواجز عالية أمام أهدافه المنشودة، وهي تحديات داخلية أولها عدم انصياع الدولة لهم وضبابية قدرتهم على التطهير وإعادة الهيكلة. وثانيها عدم قدرتهم على مواجهة التحدي الخارجي، وهو غولٌ قوي له شبكاته المخابراتية والاقتصادية التي يعجز هؤلاء في ظل تناحرهم وتشتتهم على مجابهتها. ومن اللافت أن هذا الجيل المؤمن بفشل العلمية الديمقراطية في تنامي مستمر.
لقد انحسر الوضع السياسي في مصر الآن على ثلاث قوى يسود علائقها التوتر في بعض الجوانب والتناحر في جوانب أخرى:
1-    الجيش: الذي ضمن وضعًا مستقلاً في الدستور، يجعله رقيبًا على الدولة وسياساتها السيادية الكبرى وحاميًا لها.
2-    الإسلاميون وهم مشتتون بين إخوان "تائهين" غير قادرين على ضبط إيقاع الدولة من أمن وقضاء وإعلام فضلا عن الخدمات، وسلفيين ممزقين لا يتحدون إلا إذا اقتربت السيوف من أعناقهم!
3-    القوى العلمانية الفلولية بقيادة الثلاثي: البرادعي صباحي وعمرو موسى وقد أنشأوا منذ أواخر نوفمبر الماضي عقب الإعلان الدستوري المكمل ما يُسمى بجبهة الإنقاذ الوطني التي أثبتت قدرتها حتى الآن وبكافة السبل السياسية وغير السياسية على توتير العلاقات بين الفريقين الأولين والشارع، وعدم ترك الساحة لهما بأي حال من الأحوال، تساندهم آلة إعلامية جبارة غير مسبوقة.
في إطار هذه الثلاثية، تتكشف لنا حقيقة أراد البعض أن يهيل التراب عليها مرارًا وهي أن الرئيس مرسي استلم السلطة في 30 يونيو الماضي استلامًا كاملاً، وتلك أضحوكة كبرى يبددها تحدي القضاء والإعلام وبعض المؤسسات أو الجهات الأمنية له؛ ما يجعله مكبلاً في معظم الأوقات!
إن مصر وفي ضوء انقسام الإسلاميين على أنفسهم، وبعيدًا عن التحدي الإقليمي والدولي ذي اليد الطولى في الداخل، لابد لها من نظام قوي على رأسه رئيس قوي حازم، ولا سبيل أمام مرسي والإخوان من خلفه إلا بسط السيطرة على هذه الدولة؛ إذ لا يُعقل أن يخرج كل أركان النظام السابق من سجونهم ملوحين بعلامات النصر بمن فيهم حسني مبارك الذي ظهر باسمًا سعيدًا مطمئنًا لأمر ما في بداية إعادة محاكمته التي استشعر فيها قاضي براءة متهمي موقعة الجمل الحرج، ولا أدري أي حرج أصاب الرجل!
إن تنامي السخط بين الإسلاميين أنفسهم حزبيين وغير حزبيين على سياسة الرئيس مرسي والإخوان التوافقية المهادنة بل الضعيفة إن شئنا الدقة أمام أصنام النظام القديم التي لا يقدر أحد على المساس بها أمر لافت يستوجب من عقلائهم التنبّه والحيطة وسرعة إصدار تشريعات أو قرارات من شأنها حماية السهم الأخير من الثورة وهو "هامش الحرية" ودعك من حقوق الشهداء، ومحاسبة المجرمين، والعدالة الاجتماعية، والأمن، والكرامة وتطهير مؤسسات الدولة وكلها شعارات براقة ذهبت مع الريح والتوافق والتدريج.
إن استنساخ الإخوان للتجربة التركية أو هكذا يظنون بمحاولة تحسين الأوضاع الخدمية من خلال القروض والالتجاء شرقًا وغربًا مع تجاهل تزييف الوعي الشعبي وشحنه بالعداء للإسلاميين وعلى رأسهم الإخوان أنفسهم من خلال الإعلام المضاد وتراخي مؤسسات الدولة والخطط المدبرة لإعاقة أي نجاح وطمسه – ولنا في زيارة مرسي الأخيرة للسودان وما أعقبها في ذات اليوم من حديث وإشاعات عن بيع حلايب وشلاتين للسودان – ضرب من الوهم والخدر والغفلة الشديدة، وإلا فالسؤال الأشد بساطة: ما هي الدولة التي شقت طريقها في التنمية وهي ممزقة بين قوى متفاوتة، وإعلام مضلل، وقضاء متربّص؟!!
لا يمكن أن يصدق عاقل أن بعض شباب الإسلاميين يُعتقلون ويلفق لهم قضايا والبلطجية يفرج عنهم باعتراف وزارة الداخلية التي لامت بعض أعضاء النيابة العامة علنا بسبب ذلك، لا يمكن أن يصدق عاقل أن هؤلاء الذين ذاقوا الذل والهوان والسجون والتعذيب وجرائم أمن الدولة في النظام السابق باتوا في ظل الرئيس "الإسلامي" ملاحقين متربّص بهم، هذا ضرب من الجنون والغفلة وشق للتيار الإسلامي عاقبته أشد وأنكى على الإخوان قبل غيرهم.
أمام الرئيس والإخوان إن أرادوا تطهير مصر كشف الحقائق على الملأ، وتجلية مكامن الضعف، والمصالحة مع  بقية الإسلاميين، وتبيان الأسباب الحقيقية التي جعلت مرسي حتى الآن ورغم إعلانه من قبل عن علمه بمكامن المجرمين غير قادر على الإيقاع بهم، وشحن الجماهير لحماية الرئيس في اتخاذ ما يلزم من قرارات للتطهير في القضاء والإعلام والمؤسسات الأمنية، الآن ليس الحديث عن الثورة أو بقايا الثورة إنما الحديث عن الوجود من عدمه، عن طريقة مواجهة توحش النظام القديم ومن أعطوه قبلة الحياة من جديد وطعنوا الثورة في مقتل من أناس طالما سموا أنفسهم ثوريين أو قضاة شامخين أو إعلاميين شرفاء!

نُشر في رابطة النهضة والإصلاح و شبكة رصد الإخبارية و جريدة المصريون

الأربعاء، 10 أبريل 2013

لقائي في قناة مصر 25 في برنامج "على مية بيضا" حول التاريخ الإسلامي وكتاب "رحلة الخلافة العباسية"

لقائي في قناة مصر 25 في برنامج "على مية بيضا" للحديث عن التاريخ الإسلامي وكتبانا "رحلة الخلافة العباسية". تم اللقاء في مسجد الكوثر بالمعادي مشاركة مع أخي محمد إلهامي.