‏إظهار الرسائل ذات التسميات شباب الإسلام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شباب الإسلام. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 23 أكتوبر 2012

الإمام الباجي الأندلسي يربي ولديه بالوصيّة! (1)

كانت من أهم مظاهر التربية في الأندلس نموذج الوصايا التربوية التي حفلت بها المؤلفات الأندلسية، وهذه الوصايا يكتبها الفقيه أو العالم لأولاده يحثُّهم فيها على طاعة الله واتباع نهجه، ويحدد فيها طبيعة العلاقة بينهم وبين العباد، فهي وصايا تربوية في المقام الأول، وتأتي وصية الإمام أبي الوليد الباجي من أوائل هذه الوصايا التي تؤسس للفكر التربوي الأندلسي، حتى إن لسان الدين بن الخطيب الأديب والمؤرخ الشهير والذي ولد بعد الباجي بقرنين ونصف تقريبًا حرص على تقليد هذه الوصية لما فيها من النصائح والإرشادات المهمة، وإن كانت وصية ابن الخطيب تتميز بأسلوبه المسجوع المعهود عليه.
وليس ثمة شك في قول المؤرخ الكبير الدكتور حسين مؤنس حينما قرر أن قمة المنحى العلمي والثقافي للحضارة الإسلامية الأندلسية إنما كان بين منتصف القرن الخامس ومنتصف القرن السادس الهجريين؛ ذلك لأنه على الرغم من التمزُّق السياسي الذي عاشته الأندلس آنئذ في ظل حكم أمراء الطوائف؛ إلا أن المجال العلمي والمعرفي كان له منحىً آخر غير المنحى السياسي للأندلسيين؛ فخلال هذه الأعوام المائة وصل التأليف في شتى ضروب العلوم في الأندلس إلى ذروته، وإذا نحن درسنا ما ظهر من الأعمال قبلها تبينا أنها تمهيد أو خطوات نحو النضوج الذي ظهر خلالها، وما ظهر بعدها كذلك كان نسجًا على طراز ما ظهر فيها، فيما خلا استثناءات لا تضعف هذا الرأي.
الباجي ورحلة علمه
والإمام أبو الوليد الباجي هو سليمان بن خلف بن أيوب (403 – 474هـ) أحد المجددين والمبدعين في تاريخ التراث الإسلامي بصفة عامة، والأندلسي بصفة خاصة، فقد أخذ عن كبار علماء عصره من المشارقة والمغاربة؛ وصاحبَ كبارهم وأعلامهم مثل العلامة المشرقي الخطيب البغدادي (ت 463هـ) الذي أنشد للباجي قوله:
إذا كُنْتُ أعلمُ عِلْمًايقينًا             فإنّ جميع حياتي كساعةْ
فلِمَ لا أكونُ ضَنِينًا بِهَا              وأَجْعَلُهَا في صَلاحٍ وَطَاعةْ
وكثيرًا ما تأملتُ كلام العلامة ابن حزم – وهو يكبر الباجي بعشرين سنة – عن الباجي بإعجاب واندهاش، فابن حزم رغم مناظراته الحادة والشهيرة مع الباجي وتفوق الأخير عليه في كثير منها، إلا أنه لم يكن يتوانى في إظهار إعجابه، بل وشغفه بآراء ومؤلفات أبي الوليد الباجي، منها أن ابن حزم قال: "لو لم يكن لأصحاب المذهب المالكي بعد عبد الوهاب (البغدادي) إلا مثل أبي الوليد الباجي لكفاهم"[1]، ولا عجب في ذلك، فقد حُق لابن حزم ولكافة القارئين لتراثنا أن يُعجبوا بفكر وإرث أبي الوليد الباجي الذي ظل في رحلة علمية للمشرق استمرت ثلاثة عشر عامًا، رجع بعدها إلى موطنه في الأندلس بعلم غزير ظل الرائح والغادي يتحدث عنه، ويتناول مؤلفاته بتقدير وإمعان، فضلاً عن مساجلاته ومناظراته التي ذاعت شهرتها في آفاق الأندلس، ولا عجب إذن أن يحضر مجالسه ثلاثة آلاف إنسان للسماع والتدوين كما ذكر ابن بشكوال في الصلة[2]، ويُتوفى رحمه الله وهو أعلم عصره علمًا وديانة كما يقرر الضبي[3].
مع الوصية
عثر على هذه الوصية الأستاذ الدكتور جودة عبد الرحمن هلال ضمن مجلد يحتوي على عدة رسائل بمكتبة الأسكوريال الشهيرة بإسبانيا، وقد كُتبت هذه الرسالة بعد وفاة الباجي ب275 سنة؛ أي سنة 749هـ، وقد حققها الدكتور جودة تحقيقًا جيدًا ونشرها بمجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد، عام 1955م، وهي في المجلد الثالث من ص17 إلى ص47 لمن أراد الإفادة بها.
وموضوع هذه الوصية يهتم بتربية النشء الجديد تربية صحيحة، ولم تكن هذه الرسالة موجهة إلى ابنية فحسب، بل يقصد بها شباب الامة في عصره، والأجيال اللاحقة بعده، وقد تدارسها العلماء ودرسوها لتلاميذهم وأبنائهم، وأخذ أفكارها وحور أسلوبها وأوصى بها ابناءه: لسان الدين بن الخطيب.
قسّم الإمام الباجي وصيته إلى قسمين: الأول منها يتناول فيه الشئون العامة للدين، وما يتطلبه من واجبات والتزامات، وقد جعل رحمه الله المعرفة والعلم أساسًا لتلك الواجبات والالتزامات، ولعل أبرز الأمور التي تناولها الباجي في هذا القسم من الوصية: التنبيه والتأكيد على ضرورة الاستمساك بالمذهب المالكي، ثم الحذر كل الحذر من دراسة علوم المنطق والفلسفة إلا بضوابط معينة، وحديثه عن دراسة الفلك والتنجيم والضوابط التي تحدد هذا.
أما القسم الثاني والأخير من الوصية فيشتمل على وصايا ومواعظ عظيمة، رسم فيها الباجي الخطوط الرئيسة للعلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، وبينه وبين إخوانه وعشيرته وجيرانه، بل وبينه وبين الدولة والمؤسسات الرسمية فيها. من أجل هذا كان لتلك الوصية أثر كبير في الوسط العلمي الذي كان يعيش فيه المؤلف، حيث تعدى تأثير هذه الوصية من ولديه اللذين أُنشئت الوصية من أجلهما إلى قلوب التلاميذ الذين احتلوا مكان الأستاذ، يقرءونها في حلقات الدروس، ويحاضر بها في المجالس العلمية، ومن الأدلة على ذلك ما يرويه ابن الأبار أن أبا إسحاق بن جمعة القاضي كان يحدث بوصية الباجي لابنيه عنه، ويحدثنا أيضًا أن إبراهيم بن أحمد بن جماعة قاضي مدينة دانية ثم قاضي شاطبة قد كانت له رواية عن أبي على الصدفي تلميذ الباجي، وناوله أبو علي المذكور وصية أبي الوليد الباجي، بل ويؤكد الدكتور جودة أن تأثير الوصية لم يكن مقصورًا على أولاد الباجي وتلامذته بل تعدى ذلك بصورة واضحة إلى العصور المتأخرة حتى زمن لسان الدين بن الخطيب (ت776هـ) الذي كتب وصية شبيهة إلى حد كبير بما كتبه الباجي من قبله بثلاثة قرون[4]!
والحق أن هناك سؤال ملح، وهو: لماذا كتب الإمام الباجي هذه الوصية التربوية لأولاده وهو بينهم، يعلمهم ويربيهم ويُشرف على كل ما يتعلق بهم، خاصة وهم في بدايات سن التكليف كما يبدو من الرسالة؟
هذا السؤال يجيب عليه بقوله: "إنكما لما بلغتما الحدَّ الذي قرُب فيه تعيُّن الفروض عليكما، وتوجه التكليف إليكما، وتحققتُ أنكما قد بلغتما حدَّ من يفهم الوعظ ويتبين الرشد ويصلح للتعليم والعلم، لزمني أن أقدم إليكما وصيتي، وأظهر إليكما نصيحتي، مخافة أن تخترمني منيةٌ، ولم أبلغ مباشرة تعليمكما وتدريبكما وإرشادكما وتفهيمكما؛ فإن أنسأ الله تعالى في الأجل، فسيتكرر النصح والتعليم، والإرشاد والتفهيم. (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ[5]) بيده قلوبكما ونواصيكما، وإن حال بيني وبين ذلك ما أتوقعه وأظنه من اقتراب الأجل وانقطاع الأمل، ففيما أرسمه من وصيتي، وأبينه من نصيحتي، ما إن عملتما به ثبتُما على منهاج السلف الصالح، وفزتما بالمتجر الرابح، ونلتما خير الدنيا والآخرة"[6].
ونستكمل في المقال القادم إن شاء الله ما جاء في الوصية من إرشادات وتنبيهات قيّمة تُبين لنا كيف ربّى أجدادنا أبناءهم في ظل الحضارة الإسلامية الوارفة منذ ألف عام مضت!!


[1]  المقري: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق إحسان عباس 2/68، 69.
[2] ابن بشكوال: الصلة، تحقيق إبراهيم الإبياري  ص318، 319.
[3]  الضبي: بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس، تحقيق إبراهيم الإبياري 2/386.
[4] جودة عبد الرحمن هلال: مقدمة لوصية القاضي أبي الوليد الباجي لولديه 3/ 17، 23، 24. مجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية – مدريد، 1955.
[5] (هود: 88).
[6]  وصية الباجي: 3/30. مجلة المعهد المصري بمدريد 1955م.

الأحد، 2 سبتمبر 2012

معاذ بن جبل رضي الله عنه .. العالِم الشاب!



في منطقة العقبة جنوب مكة وفي هجعة المكيين الذين يحاربون النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته منذ سنين، وبالتحديد في موسم الحج من العام الثالث عشر من البعثة النبوية الشريفة جاء من يثرب ثلاثة سبعون رجلاً وامرأتان لمقابلة النبي صلى الله عليه وسلم ومبايعته قيما عُرف ببيعة العقبة الثانية!
كان بين هؤلاء الرجال والنساء شاب في الثماني عشرة ربيعًا، فتى لا يزال في مرحلة الفتوة لم تنبت له لحية ولا شارب، قد أُعجب بالدين الجديد، بل وملك شغاف قلبه.
وقف الشاب يبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على "السمع والطاعة في النشاط والكسل. وعلى النفقة في العسر واليسر. وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعلى أن يقوم في الله، لا تأخذه فيه لومة لائم"[1].
إنه معاذ بن جبل الخزرجي الأنصاري رضي الله عنه، أسلم شابًا وتوفي شابًا!
يا معاذ إني أحبك في الله!
حرص رضي الله عنه منذ إسلامه على أن يشهد المشاهد والغزوات كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يتخلف عن واحدة قط[2].
ترسّخت محبة هذا الشاب المخلص رضي الله عنه في قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فيحكي رضي الله عنه قال: لقيني النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "يا معاذ! إني لأحبك في الله". قلت: وأنا -والله- يا رسول الله! أحبك في الله. قال: "أفلا أعلمك كلمات تقولهن دبر كل صلاة؟ رب أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك"[3].
أعلم أمتي بالحلال والحرام!
كان رضي الله عنه أفقه الناس وأعلمهم بالحلال والحرام، وله اجتهاد حسن سنّه رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس كافة؛ فعن أبي سعيد: أن معاذًا دخل المسجد، ورسول الله ساجد، فسجد معه، فلما سلم، قضى معاذ ما سبقه. فقال له رجل: كيف صنعت! سجدت ولم تعتد بالركعة؟ قال: لم أكن لأرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حال إلا أحببت أن أكون معه فيها. فذكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فسرّه، وقال: "هذه سُنة لكم"[4].
ولذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وأبي، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة"[5]. وقال صلى الله عليه وسلم في موضع آخر: "وأعلم أمتي بالحلال والحرام: معاذ"[6].
ولقد كان الذين يُفتون على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة من المهاجرين: عمر، وعثمان، وعلي. وثلاثة من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ، وزيد[7].
ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، استخلف عليها عتاب بن أسيد يصلي بهم، وخلّف معاذًا يُقرئهم ويفقههم[8].
ولقد أرسله النبي صلى الله عليه وسلم قاضيًا في العام الحادي عشر من الهجرة إلى اليمن "قال: لما بعثني النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن، قال لي: "كيف تقضي إن عرض قضاء؟" . قال: قلت: أقضي بما في كتاب الله، فإن لم يكن، فبما قضى به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قال: "فإن لم يكن فيما قضى به الرسول؟". قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فضرب صدري، وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما يرضي رسول الله"[9].
هذا الشاب الذي أتاه الله علمًا كان الصحابة يُجلونه ويُكبرونه ويحترمونه غاية الاحترام ولذلك قيل: "كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا تحدثوا وفيهم معاذ، نظروا إليه هيبة له"[10].
استقر رضي الله عنه في الشام منذ العام الثاني عشر من الهجرة وظل يعلم الناس العلم في المساجد، خاصة مسجد مدينة حمص شمال الشام فعن أحد التابعين قال: دخلتُ مسجد حمص، فإذا فيه نحو من ثلاثين كهلاً من الصحابة، فإذا فيهم شابٌ أكحل العينين، براق الثنايا، ساكت، فإذا امترى القوم، أقبلوا عليه، فسألوه. فقلت: من هذا؟ قيل: معاذ بن جبل. فوقعت محبته في قلبي[11].
وعن آخر قال: دخلت مسجد حمص، فإذا بفتى حوله الناس، جعد، قطط، إذا تكلم كأنما يخرج من فمه نور ولؤلؤ. فقلت: من هذا؟ قالوا: معاذ بن جبل[12].
 التقي الزاهد!
كان معاذ شابا جميلا سمحا، من خير شباب قومه، لا يُسأل شيئا إلا أعطاه، حتى كان عليه دَين أحاط بكل ماله، فسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يكلم له المدينين، ففعل، فلم يضعوا له شيئا، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فلم يبرح حتى باع ماله، وقسّمه بينهم. فقام معاذ ولا مال له، ثم بعثه على اليمن ليجبره، فكان أول من تجبر في هذا المال. فقدم على أبي بكر، فقال له عمر: هل لك يا معاذ أن تطيعني؟ تدفع هذا المال إلى أبي بكر، فإن أعطاكه فاقبله. فقال: لا أدفعه إليه، وإنما بعثني نبي الله ليجبرني. فانطلق عمر إلى أبي بكر، فقال: خذ منه، ودع له.
قال: ما كنت لأفعل، وإنما بعثه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليجبره. فلما أصبح معاذ، انطلق إلى عمر، فقال: ما أراني إلا فاعل الذي قلت، لقد رأيتني البارحة - أظنه قال - أجر إلى النار، وأنت آخذ بحجزتي. فانطلق إلى أبي بكر بكل ما جاء به، حتى جاءه بسوطه[13]!
وكان عمر رضي الله عنه يوزّع للناس من الأموال التي كانت ترد إليه من البلدان الإسلامية بعد الفتوح وأثنائها، فكان نصيب معاذ رضي الله عنه مائتي دينار أرسلها له، فما كان منه أن قال: "تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى أنفذها. فرجع الغلام إلى عمر، وأخبره، فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل، فأرسله بها إليه. فقال معاذ: وصله الله، يا جارية! اذهبي إلى بيت فلان بكذا، ولبيت فلان بكذا. فاطلعت امرأة معاذ، فقالت: ونحن - والله - مساكين، فأعطنا.ولم يبق في الخرقة إلا ديناران، فدحا بهما إليها"[14].
وقد "كَانَ معاذ إذا تهجّد من الليل قَالَ: اللَّهُمَّ نامت العيون، وغارت النجوم، وأنت حي قيوم، اللَّهُمَّ، طلبي الجنة بطيء، وهربي من النار ضعيف، اللَّهُمَّ اجعل لي عندك هدى ترده إلي يَوْم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد"[15].
وفاته رضي الله عنه
في عام 18هـ وقع بالشام الطاعون الشهير المسمى بطاعون عمواس نسبة إلى المدينة التي ابتدأ فيها، وكان رضي الله عنه ممن أصيبوا في هذا الطاعون "فصرخ الناس إلى معاذ: ادعُ الله أن يرفع عنا هذا الرجز. قال: إنه ليس برجز، ولكن دعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وشهادة يخص الله بها من يشاء منكم"[16].
وكان رضي الله عنه في ظل هذا البلاء العظيم يقول "سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ستهاجرون إلى الشام، فيفتح لكم، ويكون فيه داء كالدمل، أو كالوخزة، يأخذ بمراق الرجل، فيشهد - أو فيستشهد - الله بكم أنفسكم، ويزكي بها أعمالكم". اللهم إن كنت تعلم أن معاذا سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطه هو وأهل بيته الحظ الأوفر منه. فأصابهم الطاعون، فلم يبق منهم أحد، فطُعن في أصبعه السبابة، فكان يقول: ما يسرّني أن لي بها حمر النعم"[17].
وعن الحارث بن عميرة، قال: إني لجالس عند معاذ وهو يموت، وهو يغمى عليه ويفيق، فقال: اخنق خنقك، فوعزتك إني لأحبك[18]!
توفي رضي الله عنه وهو لا يزال شابًا؛ إذ كان عمره عند وفاته ثمان وثلاثون سنة على أقصى تقدير .. رضي الله عنه، وجعلنا ممن يسيرون على خطاه، وفي فضله قال النبي صلى الله عليه وسلم: "معاذ أمام العلماء يَوْم القيامة برتوة[19] أو رتوتين"[20]!





[1] انظر مسند أحمد 3/322.
[2] ابن الأثير: أسد الغابة في معرفة الصحابة 5/187.
[3] مسند الشاشي 3/244.
[4] ابن عساكر: تاريخ دمشق 58/417.
[5]  البخاري: كتاب مناقب الصحابة (3597).
[6] جامع معمر بن راشد ضمن مصنف عبد الرزاق (20387).
[7] الذهبي: سير أعلام النبلاء 1/451.
[8] ابن هشام: السيرة 2/500.
[9] البيهقي: معرفة السنن والآثار 1/173.
[10] أبو نعيم: الحلية 1/231.
[11] الذهبي: سير أعلام النبلاء 1/453.
[12] أبو نعيم: الحلية 1/231.
[13] الحاكم: المستدرك على الصحيحين 3/305.
[14] الذهبي: سير أعلام النبلاء 1/456.
[15] ابن الأثير: أسد الغابة 5/187.
[16] الذهبي: سير أعلام النبلاء 1/457.
[17] مسند أحمد بن حنبل 5/241.
[18] الذهبي: سير أعلام النبلاء 1/460.
[19] أي درجة والمعنى أنه يسبق العلماء يوم القيامة في الشرف والمنزلة.
[20] ابن الأثير: أسد الغابة 5/187.

السبت، 4 أغسطس 2012

رمضان وشباب السلف .. كيف كانوا؟!


من اللافت أن نصيحة النبي صلى الله عليه وسلم الخالدة لكل شاب لا يجد مقدرة على تكاليف الزواج قد تمثلت في الصوم، فالصوم ليس مجرد أداة للجوع والعطش، بقدر ما هو أداة لضبط جوارح الإنسان المادية والنفسية، ولما كان الشباب أكثر الناس طاقة وحيوية وقدرة ونشاطًا؛ فقد تناسبت أداة الصوم معهم لكبح جماح النفس؛ خاصة إذا كانت طاقة سلبية يمكن أن تُصرف في غير محلها، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء"[1]. والوجاء هو الوقاية من كل سوء.
هذا بصفة عامة؛ لكن بصفة متعلقة بشهر رمضان الكريم فهو شهر الخيرات والبركات لكل الناس؛ فكما أن الله جعله من رحماته بهذه الأمة، أو نفحاته الطيبة كي يختبرنا فمنا من يسعد به وفيه ومنا من يشقى، وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ مَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجِنَّانِ فَلَمْ يُغْلَقُ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِىَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِىَ الشَّرِّ أَقْصِرْ وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ"[2]. فإنه قد جعله اختبارًا عظيمًا للشباب خاصة.
 إن الحق الذي لا شك فيه أن فئة الشباب من أهم فئات المجتمع، بل وأقدرها على اجتياز اختبار شهر رمضان الكريم من الناحية البدنية والإيمانية على السواء، ولذلك جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رتبة المباهاة بين الزهد في الدنيا وبين الصوم الشباب فقال: "إن الله تعالى يباهي ملائكته بالشاب العابد فيقول أيها الشاب التارك شهوته لأجلي المبذل شبابه لي أنت عندي كبعض ملائكتي"[3].
ولكن في المقابل فإن العقاب وخيم لمن يُهون أو يهمل من شأن هذا الشهر من الشباب خاصة، فقد "رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: "إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة بَيْنَمَا أَنا وَاقِف عِنْد الْمِيزَان فَيُؤتى بشاب من أمتِي وَالْمَلَائِكَة يضربونه وَجها ودبرا فَيتَعَلَّق بِي وَيَقُول: يَا مُحَمَّد المستغاث المستغاث بك. فَأَقُول: يَا مَلَائِكَة رَبِّي مَا ذَنبه فَيَقُولُونَ أدْرك شهر رَمَضَان فعصى الله فِيهِ وَلم يتب فَأَخذه الله فَجْأَة فَأَقُول هَل قَرَأت الْقُرْآن فَيَقُول تعلمته ونسيته فَأَقُول بئس الشَّاب أَنْت فَلَا هُوَ يتركني وَلَا الْمَلَائِكَة يتركونه ثمَّ أشفع لَهُ من الله تَعَالَى فَأَقُول إلهي شَاب من أمتِي فَيَقُول الله تَعَالَى إِن لَهُ خصما قَوِيا يَا أَحْمد فَأَقُول وَمن خَصمه يَا رب حَتَّى أرضيه فَيَقُول الله تَعَالَى خَصمه شهر رَمَضَان فَأَقُول أَنا بَرِيء مِمَّن خَصمه شهر رَمَضَان وَمن يشفع لمن لم يعرف حُرْمَة رَمَضَان فَيَقُول الله تَعَالَى وَأَنا بَرِيء مِمَّن أَنْت بَرِيء مِنْهُ فَينْطَلق بِهِ إِلَى النَّار"[4].
وما ذلك إلا لأن العذر البدني والنفسي يكاد يكون معدومًا للشاب قوي البدن القادر على الصوم، إذن كان العقاب على قدر الجريمة الشنيعة وهي ترك الشاب للصوم دون عذر.
لكن كيف كان بعض شباب السلف الصالح في هذا الشهر الفضيل؟ وهل كان مدعاة للتوبة والعتق من النيران والإقبال على الله؟ تعالوا نعرف قصة هذا الشاب..
رمضان فرصة للتوبة
يُحكى أنه كان بالمدينة المنورة امرأة متعبدة ولها ولد يلهو وهو ملهي أهل المدينة وكانت تعظه وتقول: يا بني! اذكر مصارع الغافلين قبلك وعواقب البطالين قبلك اذكر نزول الموت فيقول إذا ألحت عليه:
كُفي عن التعذال واللوم ... واستيقظي من سُنة النوم
إني وإن تابعت في لذتي ... قلبي وعاصيتك في لومي
أرجو من أفضاله توبة ... تنقل من قوم إلى قوم
فلم يزل كذلك حتى قدم أبو عامر البناني واعظ أهل الحجاز ووافق قدومه رمضان فسأله إخوانه أن يجلس لهم في مسجد رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فأجابهم.
وجلس ليلة الجمعة بعد انقضاء التراويح واجتمع الناس وجاء الفتى فجلس مع القوم فلم يزل أبو عامر يعظ وينذر ويبشر إلى أن ماتت القلوب فرقا واشتاقت النفوس إلى الجنة فوقعت الموعظة في قلب الغلام فتغير لونه ثم نهض إلى أمه فبكى عندها طويلا .. ثم شمر في العبادة وجدّ وكان لا يفطر إلا بعد التراويح ولا ينام إلا بعد طلوع الشمس.
فقرّبت إليه أمه ليلة إفطاره فامتنع وقال: أجد ألم الحمى فأظن أن الأجل قد أزف ثم فزع إلى محرابه ولسانه لا يفتر من الذكر فبقي أربعة أيام على تلك الحال.
ثم استقبل القبلة يوما وقال: إلهي عصيتك قويا وأطعتك ضعيفا وأسخطتك جلدا وخدمتك نحيفا فليت شعري هل قبلتني؟ ثم سقط مغشيا عليه فانشج وجهه.
فقامت إليه أمه فقالت: يا ثمرة فؤادي وقرة عيني رد جوابي.
فأفاق فقال: يا أماه! هذا اليوم الذي كنت تحذريني وهذا الوقت الذي كنت تخوفيني فيا أسفي على الأيام الخوالي يا أماه! إني خائف على نفسي أن يطول في النار حبسي بالله عليك يا أماه قومى فضعي رجلك على خدي حتى أذوق طعم الذل لعله يرحمني ففعلت وهو يقول: هذا جزاء من أساء ثم مات رحمه الله.
قالت أمه: فرأيته في المنام ليلة الجمعة وكأنه القمر فقلت: يا ولدي! ما فعل الله بك؟ فقال: خيرا رفع درجتي"[5].
كيف كان العلماء في شبابهم مع رمضان؟
هناك العديد من الحوادث والعلامات الفارقة مع كبار علماء الأمة مع هذا الشهر الكريم، في ذكرها فائدة كبيرة لشباب اليوم لعلهم يكونوا على دربهم سائرين.
لقد كان الإمام النووي رحمه الله (ت676هـ) غلاماً صغيراً فاستيقظ في الليلة السابعة والعشرين من رمضان في وسط الليل، وجعل ينادي من في البيت ويقول: ما هذا النور الذي أراه قد ملأ الدار، ففطن أبوه لمقام ولده، فأولاه اهتماماً وعناية خاصة، حتى صار هذا الإمام الجليل رحمه الله تعالى.
أما شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني المولود عام 773هـ الذي سافر إلى الشام والحجاز وهو لا يزال شابًا صغيرا لطلب العلم، وقد تحصل على علوم كثيرة وهو لا يزال فتى صغيرًا، فقد كان يُصلي بالناس التراويح في الحرم الشريف بمكة المكرمة، في عام 785هـ، أي وهو فتًى في الثانية عشرة من عمره[6]!!
شباب مجاهدون!
لكن الأعظم من هذا أننا نجد شباباً لما يتجاوزوا الخمسة عشر عامًا يشتركون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر الكبرى وكانت في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة، بل ونراهم يحققون نصرًا عظيمًا للجيش الإسلامي بقتلهم لأكابر الأعداء من الكفار.
فقد قال عبد الرحمن بن عوف: "إني لفي الصف يوم بدر إذ التفتُّ فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن فكأني لم آمن بمكانهما إذ قال لي أحدهما سرّا من صاحبه: يا عم أرني أبا جهل فقلت يا ابن أخي وما تصنع به؟ قال عاهدتُ الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه. فقال لي الآخر سِرّا من صاحبه مثله. قال: فما سرني أني بين رجلين مكانهما فأشرت لهما إليه فشدّا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه وهما ابنا عفراء"[7]. 
لقد كان هذان الشابان هما معاذ ومعوذ ابني الحارث رضي الله عنهما، ولقد مكن الله لهما أن يقتلا أبا جهل عدو الإسلام الأكبر، ولذلك كان هذا الشهر الفضيل وسيظل دفعة مهمة لكل المسلمين وخاصة الشباب منهم كي يقدموا النماذج الباهرة على كل مستويات حياتهم سواء بالتقرب إلى الله والتوبة إليه، أو التفوق الدراسي والعلمي أو كل ما من شأنه رفعتهم في دينهم ودنياهم.



[1] صحيح البخاري: كتاب النكاح، باب قول النبي صلى الله عليه و سلم ( من استطاع منكم الباءة فليتزوج (4778).
[2] سنن البيهقي الكبرى 4/303 ح (8284).
[3] حديث إن الله تعالى يباهي ملائكته بالشاب العابد فيقول أيها الشاب التارك شهوته الحديث أخرجه ابن عدي من حديث ابن مسعود بسند ضعيف
[4] ابن الجوزي: بستان الواعظين ورياض السامعين ص232.
[5] ابن قدامة المقدسي: كتاب التوابين ص152.
[6] ابن حجر: الدرر الكامنة 1/288.
[7] البخاري: كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدرًا (3766).