‏إظهار الرسائل ذات التسميات مشروع خواطر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مشروع خواطر. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 30 مايو 2012

كيف نوثق ونقيم حركة التاريخ.. الآن نموذجًا!!


تكاد صدمة الأحداث وتواليها وسرعتها المدهشة تنسي الإنسان شغفه بالتاريخ الذي يسجل أحداث الحياة ومشكلاتها، لكن "التحيز" لفكر أو منهج يجعل هذا المؤرخ في حيرة من أمره، فهو في الأصل إنسان يُقبل على هذا باعتباره أسوته، ويدبر عن ذاك لأنه خصمه .. هكذا أدى التحيز وثبات الأحداث وهدوء الأوضاع بل الرتابة التي امتازت بها الفترة "المباركية" إلى الحكم بسهولة على أن هذا بأنه إسلامي التوجه وذلك بأنه ليبرالي وأؤلئك من التكنوقراط وهكذا..
لكن سنة ونصفًا من التغير في المواقف، والتبدل في الأحوال جعلت التأريخ للحدث أمرًا على سهولته الظاهرة صعب المنال إلا على "الإنسان الآلة" الذي يستعلى على الأحداث مؤمنًا بأنه من السهولة بمكان أن تتغير المواقف وتتبدل بحسب المصلحة المتغيرة.
لكن المؤرخ المسلم يجد صعوبة في فهم ذلك لأن تحيزه يتكئ في الأساس على التوحيد، وليس التوحيد مجرد أيديولوجية بشرية يلتف حولها الأتباع فتتغير من حيث يحسبون أنها ثابتة، وتتبدل من حيث يظنون أنها صلبة، ما ينتج عنه انسلاخ من التوحيد فيكون شركًا كدبيب النملة لا يحس به إلا من تربى على التوحيد تربية جعلته ميزانًا حساسًا لكل فعل أو فكر يخالف ذلك ولو بنسبة ضئيلة، والحق أن من أروع من تحدث وأجلى عقيدة التوحيد دون إطناب الأقدمين، وتقنين الآخرين في هذا القرن الأخير الأستاذ سيد قطب رحمه الله، انظر مثلا إلى قوله في الظلال: "التوحيد البسيط الواضح يطلق الضمير البشري من أوهام الوهم والخرافة ويطلق العقل البشري من عقال التقليد الأعمى ويطلق المجتمع البشري من الجاهلية وتكاليفها ويطلق «الإنسان» من العبودية للعبيد- سواء فيما يشترعونه من قوانين، وما يصنعونه من قيم وموازين- ويحل محل هذا كله عقيدة واضحة مفهومة مضبوطة، وتصورا واضحا ميسرا مريحا، ورؤية لحقائق الوجود والحياة كاملة عميقة، وانطلاقا من العبودية للعبيد، وارتفاعا إلى مقام العبودية لله وحده.. المقام الذي لا يرتقي إلى أعلى درجاته إلا الأنبياء! ألا إنها الخسارة الفادحة- هنا في الدنيا قبل الآخرة- حين تنحرف البشرية عن صراط الله المستقيم وتتردى في حمأة الجاهلية وترجع إلى العبودية الذليلة لأرباب من العبيد".
القضية إذن هي مدى تعلق الإنسان بالسماء والأرض، التعلق بالسماء يجعل المواقف متسقة مع هذه العزة والشرف التي ربطها الإله بالمؤمنين {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ}. لكن المنافقين الذين ارتضوا بالأرض بديلاً عن منهج السماء لا يمكن أن يعلموا أن المقارنة بينهم وبين المؤمنين لن تكون محسومة إلا لهم ولمن على شاكلتهم؛ ذلك أنهم يقيمون الآخر بالمنظار المادي الهابط غير المستوعب حقيقة "العزة" التي يجب أن يكون عليها المجتمع المسلم المؤمن بالله ربًا لا شريك ولا ند له.
هنا فقط يمكن أن نجعل هذه المقدمة "نموذجًا تفسيريًا" يتجاوز الظاهر إلى الأعماق، ويتخطى اللحظة التي قد لا يستوعبها عقل إنسان مصدومًا في الشيخ الفلاني أو المفكر العلاني.
***
في تأريخ اللحظة الراهنة يمكن للمؤرخ بسهولة أن يضع "بابُ أقوال المشاهير في المرشحَيْن" ويسرده وفق تقسيمة هذا مع المرشح شفيق، وذلك مع مرشح الإخوان وفق ما يلي:
يقول الكاتب الشهير بمنتهى الأريحية: "لم يعد أمامنا غير أحمد شفيق ومحمد مرسي. مرسي: كيف أختار مرشحاً لم تثق فيه جماعته بالدرجة الأولى، فرشحته بديلاً للشاطر إذا تعذر ترشيحه؟ ليس أمامي إلا أحمد شفيق، وكل الحملات الظالمة ضده، هي التي دفعته إلى فوق، فالشعب ذكي ولماح ويعرف المفتري من المفترى عليه. قالوا شفيق سيعيد مشانق العهد البائد، وهل كان في العهد البائد، على كل سوءاته، مشانق؟ هذه مبالغات تراكمت على رجل قوي، ذكي، ناجح في كل مهمة مارسها، ولم يبق أمامنا غيره لكي يخلص مصر من خنقتها""فلول؟ وهل كل من خدم الدولة فلول؟ نفترض جدلاً أنه فلول، ألم يكن خالد بن الوليد من كفار قريش وقتل المسلمين في "أحد" ثم أصبح سيف الله المسلول.. هل أمامنا في الإعادة من ينقذ مصر غير شفيق؟" هكذا ينطلي الزور والبهتان على الناس!
وتقول الصحفية اللامعة: "من يقل على أحمد شفيق إنه من الفلول. فقل له إن موسى تربى في بيت فرعون". هكذا بمنتهى البساطة!
ويقول الصحفي الثوري: "إن "الفريق" أحمد شفيق سيكون حامي الدولة "المدنية". وقد كان تعليق أحدهم عبقريًا بأن قال: إن المقصود بكلمة "فريق" هو فريق كرة القدم وليس رتبة في الجيش!
بل يتخطى الأمر مجرد التبرير الفج إلى التفلسف في أبهر صوره يقول الكاتب المبهر: "على كلا المرشحين أن يهرولا للقوى السياسية التي يجب أن تفرض عليهما شروطها من قبلها منهما وقفوا معه"!
ثم إن الآخر يقول: "ليس معنى أن شفيق عمل مع مبارك يعني أنه كان من نظامه، لقد كان يتلقى الرجل راتبه من مصر"!
بل إن المناضل الكبير يقول: إنه لن يقف مع دولة الاستبداد السياسي ولن يقف مع دولة الاستبداد الديني رغم أنه تحالف مع من يقول عنهم إنهم دولة الاستبداد الديني منذ أشهر قليلة فقط ولم يترشح مع بني جلدته من التيار الذي ينتمي إليه ليتسنى له ولهم دخول البرلمان!
وإن فريقًا من التيار الإسلامي نفسه لا مشاحة عنده في قبول نتائج الانتخابات ولو كانت بالتزوير، فقد سارع الدكتور أبو الفتوح كمثال بالقول إن الانتخابات غير نزيهة فقال أحد أبرز رجال الحزب الإسلامي الذي وقف معه: "إن رأيه يخصه والانتخابات نزيهة" ثم استطرد الرجل في براءة بالغة: "علينا أن نحترم إرادة الشعب، وكلها أربع سنوات، وللرئيس الحق في حل البرلمان". بل "إن قانون العزل السياسي معيب وأنا لم أكن معه لأنه غير دستوري ويتعارض مع حقوق الإنسان". وأين حقوق القتلى، وهل احتاج المستبدون إلا للسنوات الأربع أو الخمس الأولى من حكمهم ليرسخوا استبدادهم !!
بل قال رئيس هذا الحزب الذي ينتمي له ذلك الأستاذ البريء: "لن ننزل إلى الشارع إذا أتت الانتخابات بالفريق شفيق" حتى لو كانت بالتزوير!
فريق آخر علم أن مرشح الإخوان هو ما تبقى لهذه الثورة من أمل، ليس حبًا في الإخوان الذين وقعوا بمنتهى السذاجة في فخاخ المرحلة الانتقالية عن عمد أو جهل، وليس لأنهم من "التيار الإسلامي" وقد رأينا نماذج من التيار الإسلامي تقدم خدمات جليلة للدولة الأمنية القمعية!
إنما الوقوف مع مرشح الإخوان يعني أننا نقف ضد استمرار الظلم وعسكرة الدولة وقمع الحريات وترقب زوار الفجر وقتلى السجون والمعتقلات والفقر والتبعية والسياسة التي يخطها لنا العدو، قد لا يتحقق هذا على وجه السرعة، لكننا على الأقل نكون قد وضعنا أنفسنا على الطريق الصحيح، هذا مع ضرورة أن يصلح الإخوان من أخطائهم الجسيمة الظاهرة لكل مخلص قبل منتقد.
 وإننا نجد من التيار الليبرالي الذي يختلف بشدة مع الإسلاميين من يقول متحسرًا وفاضحًا: "النيويورك تايمز وصفت اجتماعا بين شفيق ورجال أعمال أمريكيين أكد فيه إخلاصه لمبارك وانه إذا تولى الرئاسة سيعدم الثوار .الأمريكيون صفقوا بشدة".
ونجد الصحفي والمؤلف الليبرالي الشهير الآخر يقول: "هتقاطع عشان تنتقم من خذلان الإخوان ليك. هتساعد على فوز اللي هينتقم منك ومن الإخوان لإن إنت وهما بالنسبة له واحد شركاء في الثورة اللي بيكرهها". ويقول في موضع آخر: "في المرحلة الأولى من الانتخابات كان لدينا رفاهية أن نتحمس لمرشح ما. الآن نحن أمام اختبار ضمير هل أنحاز لشريك ثورة ارتكب خطايا سياسية أم لعدو صريح للثورة"!
وتلك الكاتبة الثائرة التي يكرهها كثير من الإسلاميين والتي نراها في كل مظاهرة لا تخشى الضرب أو السحل أو حتى القتل تسترجع الذاكرة مستنكرة من يريدون انتخاب شفيق فتقول: "هو ذلك الشفيق الذى أراد أن يوزِّع علينا البونبونى ونحن نُقتل فى الميادين، وهو ذلك الشفيق الذى كان يرأس الوزارة التى شكّلها مبارك فور قيام الثورة لتقوم باحتوائها، وهو ذلك الشفيق الذى حدث فى عهده أن اقتحمت الجمال والخيل علينا الميدان، ثم صعد القناصة فوق الأسطح لتقتل 12 شابا على كوبرى معروف، وهو ذلك الشفيق الذى أكد أن ما يحدث ليس ثورة، وهو ذاته الشفيق الذى ظل رئيسا للوزراء لمدة شهر كامل بعد خلع المخلوع، ليؤمِّن تهريب أكبر قدر من أموال عناصر النظام الفاسد خارج البلاد، وهو هو الشفيق الذى أكد أنه استأذن المشير فى الترشح..".
بل هذا هو الشاب الاشتراكي الذي يقول:" بيقولك الإخوان معاهم البرلمان- وهم ليسوا أغلبية- يبقى ما نديهمش الرئاسة... معاكم حق- نديها للنظام القديم اللي معاه الجيش والشرطة والقضاء وغيرها".
هذا يمكن أن نجمعه في هذا الفصل من كتاب التاريخ الذي قد نسجله في كتاب يجمد اللحظة التاريخية الراهنة ليعرف الجميع في لحظة المفاصلة والتقييم سواء كانت قريبة أم بعيدة من كان مع الحق ومن كان مع الباطل كدأب حركة التاريخ الطويلة!
***
لكن قد يسأل قارئ هذا المقال نفسه ما علاقة بداية المقال بوسطه؟
أتمنى أن يفكر القارئ بتأن في العلاقة بينهما وسيكتشف حتمًا أن الإنسان أبعد غورًا من مجرد التقييم السطحي الساذج الذي اعتدنا ومازلنا نتعود عليه .. ورحم الله أناسًا وضعوا "علم الجرح والتعديل" و "تاريخ التراجم والطبقات"!

الجمعة، 29 يوليو 2011

يومٌ تخطّى حاجز الزمن!

لعل ما يندهش له القارئ الكريم أن يقلب في صفحات التراث الإسلامي ليجد ارتباط هذه الأمة بجذور تتعدى تاريخها الزمني إلى دلالة أعمق وأكثر نضوجًا تتمثل في الإنسانية الدالة على الله عز وجل!

يوم الوحدانية:

لقد كان تاريخ النبوة والرسالات أحد أهم مباحث علم الكلام والعقيدة في تاريخ التراث الإسلامي، وكانت هذه المباحث تتناول من الناحية النقلية والعقلية مدى احتياج الإنسان إلى يد تهديه البصيرة والحنو والمنهج الذي تطمئن إليه نفسه المضطربة الحائرة، وتمثلت هذه الرعاية الإلهية برحمتها بهؤلاء المعذبين الحائرين الذين أغووا أنفسهم وعالمهم حتى صارت الدنيا قبل مجيء نبينا r ممقوتة لأهل السماء "إلا بقايا من أهل الكتاب"[1]، فصار ارتباط الأنبياء بالهداية والرحمة الربانية بأهل الأرض دلالة على التوحيد الرباني والإنساني الذي تخطى حاجز الزمن، وجعل الإنسان مرتبطًا بأخيه الإنسان وإن تباعدت الأقطار والأزمان والأمصار!

فإذا كانت رسالة الأنبياء واحدة لأهل الأرض، مع اختلاف الشرائع بما يتناسق مع الأزمان والبيئات، فإن الله عز وجل قد جعل يومًا عيدًا وجامعًا لمن ارتضوا هذه الوحدانية عبر مسيرة الزمان، وأضاف لهذا اليوم من المكرمات والقدسية ما يذكرنا بتاريخ وحقيقة الإنسان وكنهه وغايته ووجوده بل ويحمل في طياته ما قدّره الله في هذا اليوم من الأحداث التي زادت من عظمته، وجعلته دالاً على الله الواحد الأحد!

ذاك هو يوم الجمعة الذي يجمع أشتات أهل التوحيد منذ بدء الخليقة وحتى قيام الساعة، وإنه من الخطأ أن نفصم هذا اليوم عن مسيرة الإنسان لنجعلها وفق المنظور الزمني الإسلامي الذي بدأ منذ بعثة النبي r وحتى يومنا هذا؛ ذلك لأن هذا اليوم مرتبط بوجود الإنسان الذي حُمِّل الأمانة الإلهية المتمثلة في إقامة ما ارتضاه الله لعباده وما نهاهم عنه[2]، فهو "خيرُ يومٍ طلعت فيه الشمسُ .. فيه خُلق آدمُ وفيه أُدخل الجنةَ وفيه أُخرجَ منها..[3]" وكما بدأت الحياة الإنسانية على الأرض في هذا اليوم فإنها ستنتهي في هذا اليوم فـ"لا تقومُ الساعةُ إلا يوم الجمعة"[4].

يوم التمايز الحضاري للأمة المسلمة:

وإن من مقومات البناء الحضاري للأمة المسلمة الاستمساك بالقيم الإلهية، والاستعصام بما ارتضاه الله لنا، وهذا من علامات التمايز الحضاري، والتفوق الفكري الذي يسِمُ بني الإسلام، وإن ما يلفت الانتباه أن الله اختار لأهل التوحيد هذا اليوم وهو بلا ريب من مقومات البناء الحضاري لنا!

بيد أن أهل الكتاب رفضوا فضَلّوا عنه، فقد "اختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خلق، واختار النصارى يومَ الأحد الذي ابتدئ فيه الخلق، واختار الله لهذه الأمة يوم الجمعة الذي أكمل فيه الخَليقَةَ"[5] على ما يذكر العلامة ابن كثير، وهذا ما يؤكده رسول الله r بقوله: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أُتوا الكتاب من قبلنا، ثُم هذا يومُهم الذي فرض عليهم، فاختلفوا فيه فهدانا الله؛ فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدًا، والنصارى بعد غدٍ"[6]؛ فهذا التمايز الذي حرص عليه النبي r لهذه الأمة هو في حقيقة الأمر من مقومات نهضتها، ومن علامات ارتباطها بالله U، وهذا ما يؤكد عليه r في رواية أخرى بقوله: " أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق "[7].

والحق أن كثيرًا من علمائنا حاولوا أن يتعرفوا على كنه هذا اليوم، ويفهموا الحكمة من اختياره لنا من ربنا عز وجل، وخاضوا في ذلك في مؤلفات كثيرة، ولكن ما ذكره العلامة ابن حجر العسقلاني رحمه الله في الفتح يستلفت النظر حقيقة، فقد ذكر أن الحكمة من اختيار هذا اليوم تتمثل في "وقوع خلق آدم فيه، والإنسانُ إنما خُلق للعبادة فناسب أن يشتغل بالعبادة فيه؛ ولأن الله تعالى أكمل فيه الموجودات، وأوجد فيه الإنسان الذي ينتفع بها، فناسب أن يشكر على ذلك بالعبادة فيه"[8].

فما ذكره العلامة ابن حجر تؤكده أحاديث النبي r التي تفصّل فضل هذا اليوم وأهميته وثمرات أخذه بحقه، وهي كلها تؤكد على الأهمية الخاصة لهذا اليوم بالنسبة للمسلمين، لكن غالبية أحاديث النبي r التي تتناول يوم الجمعة تتحدث عن أهمية صلاة الجمعة وآدابها وفضلها وما يترتب عليها من مقومات معنوية بل ومادية في البناء الإسلامي العام.

ولعل أبلغ ما ذكره نبينا r تدليلاً على التميز الذي يتمتع به هذا اليوم في الإسلام قوله r: "إِنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَيِّدُ الْأَيَّامِ وَأَعْظَمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَهُوَ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ الْأَضْحَى وَيَوْمِ الْفِطْرِ فِيهِ خَمْسُ خِلَالٍ: خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ آدَمَ، وَأَهْبَطَ اللَّهُ فِيهِ آدَمَ إِلَى الْأَرْضِ، وَفِيهِ تَوَفَّى اللَّهُ آدَمَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا الْعَبْدُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ مَا لَمْ يَسْأَلْ حَرَامًا، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، مَا مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَلَا سَمَاءٍ وَلَا أَرْضٍ وَلَا رِيَاحٍ وَلَا جِبَالٍ وَلَا بَحْرٍ إِلَّا وَهُنَّ يُشْفِقْنَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ"[9]

وحدة العبادة والتنظيم:

وإن الآية القرآنية الوحيدة التي ذكرت يوم الجمعة صراحة في كتاب الله تنبّه عموم المسلمين إلى ضرورة ترك كل مشاغل الحياة وملاهيها وملذاتها من أجل صلاة يوم الجمعة التي هي "عبادة تنظيمية على طريقة الإسلام في الإعداد للدنيا والآخرة في التنظيم الواحد وفي العبادة الواحدة"[10]، وفي ذلك يقول الله U: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[11](، وما هذا التنبيه إلا ضرورة على وجوب "الانخلاع من شؤون التجارة والمعاش ... وهو في الوقت ذاته تعليم دائم للنفوس؛ فلا بدّ من فترات ينخلع فيها القلب من شواغل المعاش، وجواذب الأرض؛ ليخلو إلى ربه، ويتجرّد لذكره، ويتذوق هذا الطعم الخاصّ للتجرد والاتصال بالملأ الأعلى، ويملأ قلبه وصدره من ذلك الهواء النقي الخالص العطر ويستروح شذاه!"[12].

ومع أن صلاة الجمعة دليل على وجوب الانخلاع من مشاغل الحياة كما يقرر الأستاذ سيد قطب، غير أن ذلك لا يتم كما دلت الآية الكريمة إلا بوجود وحدة تلملم شتات الصف الإسلامي في هذه الصلاة وذلك اليوم.

إذن يوم الجمعة شاهد من شواهد الوحدة بين المسلمين، فهذا الاجتماع الأسبوعي "لا يقوم على المغالبة، بل على الأخوة العامة بين المسلمين، والمودة والرحمة بينهم، وهذا الاجتماع تتكون منه أمة متحدة المشاعر العالية، متجهة نحو الفضيلة والمثل العليا، ويخضع فيه الإنسان لخالق الأكوان وحده، وعندئذٍ يعلو الإنسان عن المغالبة إلا إذا اعتدى عليه، فالدفاع يكون واجبًا في هذه الحال، ويكون ذلك من الفضيلة ومنع الفساد في الأرض، كما قال تعالى: ) وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ[13]("[14].

التأثير في حركة التاريخ والواقع:

ومن المدهش أن ثمة تأثيرًا لهذا اليوم على الضمير الجمعي للمسلمين، والحق أن هذا التأثير يتعدى معاني الوحدانية والوحدة السابق ذكرها إلى التأثير على حركة التاريخ والواقع، فمنذ معركة بدر الكبرى التي حدثت في يوم الجمعة وانتهاء بجمعات كثيرة نشهد فيها سقوط الطغيان والظلم يتأكد لنا الأهمية الروحية والواقعية التي يحدثها هذا اليوم في نفوس المسلمين، ومما يستلفت النظر أن بناء المدن الإسلامية القديمة كان مركزه الأساسي المسجد الجامع الذي تقام فيه صلاة الجمعة، وهو مركز الحياة الدينية حيث الصلوات الخمس والجمعة، والتعليمية حيث حركة المجالس العلمية والتعليمية فيه، بل والسياسية حيث إعلان المراسيم العامة والقرارات الجهادية والخطب الحماسية، والمالية حيث إلحاق بيت المال لفترة لا بأس بها بالمسجد الجامع[15]، كل ذلك دليل لا غبار عليه على ارتباط المادي بالقيمي في ظل المشهد الحضاري الإسلامي، وعلى تأثير هذا اليوم في حركة التاريخ.

إن يوم الجمعة يومٌ قد تخطى حاجز الزمن، وهو في المشهد الإسلامي لا يتوقف عند القيمة الروحية المستقاة منه، بل تتعدى أهميته إلى التأكيد على هوية المسلم، وغاية وجوده، وتأثيره المباشر في حركة الإنسان الذي قَبِلَ حمل الأمانة العظيمة، يقول تعالى: )إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا[16](،

نُشر في المركز العربي للدراسات والأبحاث



[1] صحيح مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيم أهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (2865).

[2] انظر: الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن 20/338.

[3] سنن الترمذي: كتاب أبواب الجمعة، باب فضل يوم الجمعة (488). وصححه الألباني.

[4] السابق نفسه.

[5] ابن كثير: تفسير القرآن العظيم 8/119.

[6] صحيح البخاري: كتاب الجمعة، باب فرض الجمعة (836).

[7] صحيح مسلم: كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة (856 )، والنسائي: السنن الصغرى، كتاب الجمعة، باب إيجاب الجمعة (1368).

[8] ابن حجر: فتح الباري شرح صحيح البخاري 2/356.

[9] أخرجه ابن أبى شيبة (1/477 ، رقم 5516) ، وأحمد (3/430 ، رقم 15587) ، وابن ماجه (1/344 ، رقم 1084) ، قال المنذري (1/281): فى إسنادهما عبد الله بن محمد بن عقيل وهو ممن احتج به أحمد وغيره. وقال البوصيري (1/129): هذا إسناد حسن. وابن سعد (1/30) ، والطبراني (5/33 ، رقم 4511) ، وأبو نعيم فى الحلية (1/366) . وأخرجه أيضًا: البيهقي فى شعب الإيمان (3/90 ، رقم 2973) وحسنه الألباني (صحيح الترغيب ، 695).

[10] انظر: محمد قطب: في النفس والمجتمع، فصل العبادات الإسلامية.

[11] (الجمعة: 9، 10).

[12] سيد قطب: في ظلال القرآن 6/3569.

[13] (البقرة: 251).

[14] محمد أبو زهرة: الوحدة الإسلامية ص231، 232.

[15] راجع: دورتيه زاك: دمشق، تطور وبنيان مدينة مشرقية، ترجمة قاسم طوير ص72.

[16] (الأحزاب: 72).

السبت، 30 يناير 2010

من يمتلك الحقيقة؟

إن رحلة البحث عن اليقين كثيرًا ما تعتريها أسئلة محيرة، أولها ما هو اليقين؟ ثانيها هل البحث عن اليقين هو جوهر الحقيقة؟ ثالثها هل التاريخ صانع لليقين؟ رابعها من أكون في ظل هذا البحث المضني؟ وغيرها من الأسئلة المتداعية الأخرى..

يجب أن نقرر أن الإنسان قاصر عن بلوغ جُل الحقيقة واليقين في أي أمر من الأمور، فالحياة كيان نسبي متغير، وعقول البشر بعضها فوق بعض، وأعجبُ حينما أقرأ قول أبي العلاء المعري:

أما اليقين فلا يقين وإنما أقصى اجتهادي أن أظنَّ وأحدسا

لكن مثل تلك الأسئلة السابقة وغيرها تتواتر على عقل الإنسان حينما يتعامل مع أخيه الإنسان؛ إذ اختلاط المعادن مع بعضها – والتي هي جوهر الإنسان – إما أن يؤدي إلى تنافر وتباعد أو التحام وتواكد، لكن الأمر اللافت والغريب يكمن في اختزال الحقيقة عند إنسان دون آخر، والأعجب أن ترى ذلك الإنسان يحدثك من هذا المنطلق المشين، منطلق "الحصرية" في كل شيء؛ فتطويع الأدلة لإثبات صحة الموقف، وقوة المنصب التي تُلجمك في كثير من الأحيان، هما العاملان المؤثران الخفيان في إدارة الحوار بين طرفين يحسب أحدهما أنه يُحسنُ صنعا!!

لقد ثبت بالدليل التاريخي القاطع أن كل الأمم تحركها مجموعة من المسوّغات المُعلنة التي تحمل في طياتها حقائق الأمور، صحيح أن الإنسان هو الإنسان عبر مسيرة الزمن من حيث المشاعر والعواطف والغرائز، لكن البشر متفاوتون في أمر مهم جدًا ينحصر في الغاية المحرّكة لهم، فلو سأل أحدنا نفسه – أمام نفسه- ماذا أريد؟ فسيجيب على الفور بأنه يطمح في ما لا يُعد ولا يُحصى من الأمانيّ والغايات، لكن ذات السؤال إذا طُرح على أحدنا ملئًا، فسيفكر مليًا حتى يُرضي الجميع، وكي لا تتغير صورته الوردية المثالية أمامهم!!

إن الدين الإسلامي الذي صنع تاريخًا مثاليًا مشرفًا في العهد النبوي والعهد الراشدي يؤكد لنا أن الحقيقة تكمن في طهارة القلب، والتجرد، والبعد كل البعد عن "الحصرية" التي تدفعنا في عصرنا هذا إلى سبيل لا نعرف عقباها، إنها تعطينا أنموذجًا عظيما من السلوك الإنساني الرفيع... هذه هي الحقيقة وهذا هو اليقين.. حقيقة تاريخنا وأمتنا الإسلامية التي تُجيب على كل متسائل يسأل أعماق نفسه من يمتلك حقيقة التعامل البشري ومثاليته؟ ومن ذا الذي يُقرر أنك صاحب الموقف الصحيح؟ ومن ذا الذي يصدح بأن الطرف الآخر هو صاحب الموقف الخاطئ؟

إن المتشدقين بأن القرآن والسنة هما العلاج الناجع لتقويم إعوجاج السلوك الإنساني، تناسوا أن هذه الحقيقة عامة لا ينفكون هم منها، ولا يجب أن يحيدوا عنها، وكيف تتعجب حينما تراهم يتذكرون على وجه السرعة أن القرآن يأمر بكذا وينهى عن كذا، طالما كان هذا الأمر وذاك النهي في صالحهم؟ ثم تراهم يُعملون عقولهم كثيرًا ليتذاكوا عليك حينما تنصحهم تلميحًا أو تصريحًا بأنهم في شِراك الخطأ، وعلى طريق غير سوية في السلوك والمعاملة.

ومهما يكن، فالمواقف المتتالية ترسم الصورة الصحيحة عن الإنسان، ورحلة البحث عن اليقين لا تقتصر على معرفة الخالق – سبحانه وتعالى – وإنما يُضاف إليها حقيقة التعامل البشري، وأولية السلوك بين بني الإسلام على وجه الخصوص في هذا العصر، ولذلك فتاريخ السلوك الإنساني يُقدم بعد كثير بحث ومعاناة حقيقة السلوك الإنساني!!

الجمعة، 22 يناير 2010

رأسمالية العلم

هل يمكن أن يكون العلم هدفًا سهلاً ميسورًا للرأسمالية؟ وهل يمكن أن يخضع طالب علم فضلاً عن عالم لهذا النظام البغيض؟

إن العلم من وجهة نظر الجميع صورة من الصور الصادقة لتقدم المجتمع ورفاهيته؟ بل هو النظام الوحيد الذي أثبت خلال تاريخ الإنسانية كلها أنه كيان محايد لا يُستقى منه إلا ما ينفع البشر، ويحقق أهدافهم وطموحاتهم.

لكن الأمر ليس بهذا الإطلاق الفوضوي الذي لا يخضع للمنهج "العلمي"؛ فكل شيء من وجهة نظر الحداثيين والعصرانيين لابد أن يُقاس بمنظار العلم، ولكن ألم يسأل هؤلاء أنفسهم وما المعيار الذي يمكن أن يقيس العلم ذاته؟ وهل العلم الذي بدد أوهام الكنيسة في قرونها الغابرة هو الخلاص الوحيد لتقدم الحياة المدنية، والإنسان المدني؟

لن نطيل في هذا الجدل الدائر بين أهمية العلم باعتباره مخلصًا للبشر من أسقامهم وأمراضهم، وبين من يرون أن العبثية وعدم الخضوع والإذعان للعلم ومناهجه هو السبيل الوحيد للتمتع بهذه الحياة الدنيا.

لكني بمنتهى الصراحة والمرارة أُقرر أن الرأسمالية نجحت في جعل العلم خادمًا لها، تابعًا لأمرها، فالمصلحة والبراجماتية - التي لا تقيم وزنًا للأخلاق - جعلتا العلم جزءًا أساسيًا من مشروعهما التدميري لحياتنا وطموحاتنا وأفكارنا؛ فأن تكون فقيرًا ذا علم فذلك يعني أنك سمك جائع يجري خلف طُعْم الصياد!

إن أدعياء العلم في عصرنا هذا، هم في حقيقة الأمر مجموعة من أصحاب المصالح المتفاوتة، كلٌّ يريدنا لنفسه، فيزدادون صيتًا ومالاً وقوةً، ونزداد نحن بلاهة وفقرًا وضعفًا، إنها فلسفة الرأسمالية يا عزيزي، أن يسيطر على العالم ثلة قليلة تديره كيفما شاءت ووقتما شاءت، وننتظر نحن أدوارنا المرسومة لنا، فإذا أردنا أن نخترق الإطار المرسوم لنا، وجدنا أن هؤلاء الودودون الطيبون أصبحوا وحوشًا كاسرة، تفترسك وتلتهمك على غدائها قبل عشائك (المزعوم) لها!!

إننا طيبون أكثر من اللازم، وجبناء أكثر من اللازم، نسينا أن الحياة والموت والبعث وما بينها ملك لله الواحد القهار، يقدّر كل شيء بقدره؛ حيث يؤكد لنا أن قوة الأمم لن تتأتى إلا من نفسها، وكذا قوة الفرد وطموحه وما يريد تحقيقه، فالتغيير هو الشيء الثابت في حياتنا، فإن لم نستطع أن نغير من أنفسنا، ووضعنا من الخطط والاستراتيجيات ما يقيم وزننا وشأننا التهمنا السمك الكبير، الذي يصطاده الصياد الأكبر بطبيعة الحال!

هذا الكلام ينطبق بتمامه على عصر الرأسمالية هذا، ينطبق عليك أيها القارئ العزيز، وينطبق عليّ أنا الكاتب (الطيب) الذي غرته الحياة الدنيا، ولكن .. ما الحلّ؟ ما السبيل لأن نكون شركاء وأندادًا؟ هل الحصول على المال ليكون رأسًا لي ولك، فنصبح رأسماليين هو السبيل لذلك؟ أم الثورة والمنادة – ولا حياة لمن ننادي – هي الحل لهذه المرحلة؟!

صدقًا (ويا لها من كلمة) لا أعرف ما الحل، سوى أن حركية المجتمع ودوامته التي نعيش فيها أقوى من كثيرين منا، وقد يكون الوقوف أمام تلك الدوامة عاملاً من عوامل الجنون لأنك ببساطة لن تحقق شيئًا، لأنك لن تكون وقتها شيئًا، فالحل يأتي من خلال المجموع، أن تقف الجموع أمام الجموع، ويتحقق وقتها قول المعتمد بن عباد الأمير الأندلسي الشهير:

إن تستلبْ مني الدنا مُلكي وتُسلمني الجُمُوع فالقلبُ بين ضلوعه لم تُسلمِ القلبَ الضلوع