الخميس، 8 مارس 2012

الإخوان المسلمون في مصر والأزمة السورية


في 18 فبراير الماضي خرج عصام العريان القيادي الإخواني ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب بتصريح قال فيه: "لماذا لم يتم استدعاء سفيرنا من سوريا للتشاور واستدعاء السفير السوري لإبلاغه احتجاج قوي ضد المذابح التي تحدث في سوريا؟!!" وكان هذا التصريح متزامنًا مع تظاهرات قوية شهدتها السفارة السورية في القاهرة كان على رأسها المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية حازم أبو إسماعيل.
في اليوم التالي 19 فبراير فوجئنا أن سوريا قد استدعت سفيرها من القاهرة مع خطوة مماثلة من القاهرة، واستبشرنا بهذه الخطوة خيرًا في تقدم في رؤية الإخوان المسلمين للأزمة السورية وبدء خطوات جادة وضغوط على المجلس العسكري الحاكم في هذا الأمر.
لكن ظل وضع الإخوان في الملف السوري كما عليه، كلام جميل وفعل قليل؛ حتى فوجئنا بمرور سفينتين حربيتين إيرانيتين لقناة السويس متجهتين لسوريا دون ردة فعل تُذكر من الإخوان المسلمين وهم أغلبية مجلسي الشعب والشورى مع التيار السلفي.
وفي تقرير أعده توم بيري وإدموند بلير على موقع رويترز العربي بتاريخ 26 فبراير الماضي وعنوانه "صوت الإخوان يعلو في مصر وعينهم على الحكومة المقبلة" قيّما فيه السياسة الخارجية للإخوان المسلمين بقوليهما: "عقد نواب حزب الحرية والعدالة عددا من الاجتماعات مع وزير الخارجية خلال الأسابيع الأخيرة. ووجهت الدعوة إلى النائب عصام العريان الذي يرأس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشعب لحضور الغداء الذي أقيم يوم 19 فبراير مع الوزير والرئيس الحالي للجمعية العامة للأمم المتحدة وهو قطري. وقال رشدي: إنهم (الإخوان المسلمون) يريدون العمل مع الجميع. هذه هي الرسالة التي تصلني كمصري. وربط جمال حشمت عضو البرلمان من حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين وعضو لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشعب بين الضغط البرلماني والخطوة التي اتخذت بشأن الوضع في سوريا. وقال "أظن سحب السفير كان استجابة لضغوط موجودة." ويضغط البرلمان من أجل اتخاذ المزيد من الخطوات فقد طلب من الحكومة توضيح سبب السماح لسفينتين حربيتين إيرانيتين رستا في سوريا يوم 18 فبراير بعبور قناة السويس. وطهران حليف وثيق لدمشق."
وحتى الآن لم نعرف الأسباب التي سمحت من خلالها السلطات المصرية لعبور هذه السفن لقناة السويس؛ ولا ردة الفعل التي اتخذها الإخوان في مجلس الشعب تجاه هذه المعضلة؛ وإن جمدوا العلاقات البرلمانية مع البرلمان الأسدي.
إن تقرير رويترز الآنف وإن كان يقيّم رؤية الإخوان المسلمين للوضع السياسي الراهن بما فيه الملف الخارجي، ويرى أنهم في تحسن وتقدم على المستوى العام؛ إلا أن هذا التقدم يظل محصورًا في رؤية إحصائية مجردة تتجاهل المرجعية الأخلاقية التي يتكئ عليها مشروع الجماعة العريق.
نفهم أن الوضع السياسي في سوريا معقد على الصعيد الإقليمي والعالمي؛ فدول الخليج تريد حربًا بالوكالة فيه لإضعاف الدور الإيراني وقطع الطريق على حزب الله وتحجيم الغضب الشيعي المتنامي في الجزيرة العربية؛ والغرب يقدم رجلاً ويؤخر أخرى للندية التي يلقاها من الروسيين والصينيين الداعمين لبشار، والغصة التي تصيب الإسرائيلين المتأكدين أن ورثة بشار هم الإسلاميون وإن كانوا في ظل تفاهم مع الأمريكان تحت مظلة المجلس الوطني السوري؛ فضلاً عن الدور التركي المكبل هو الآخر بحسابات داخلية وإقليمية وإن ظل جيدًا حتى اللحظة مقارنة بالموقف العربي العام؛ أما الموقف المصري فحدث ولا حرج إذ تظل الرؤية الخارجية للدولة المصرية على ذات السنة التي رسمها حسني مبارك وأحمد أبو الغيط: عدم تدخل مصر في الشئون السورية والعكس وإن غطى فشله بغطاء الجامعة العربية الساقط، ومنطق المجموعة الدولية؛ وإن تم الاستفسار عن أسباب هذا التباطؤ قيل إن مصر تمر بمرحلة انتقالية لا تسمح لها بتقديم خطوات أكبر مما هي عليه الآن، وهذا رأي متهافت إذا قورن بالموقف الليبي والتونسي على سبيل المثال والكشف.
وقد تجلى الموقف الرسمي المصري بوضوح منذ ثلاثة أيام حينما وقف مندوب مصر في الأمم المتحدة السفير ماجد عبد الفتاح قائلا: "الأولويات بالنسبة لمهمة المبعوث الخاص إلى سوريا واضحة، الوقف الفوري لكافة الأعمال العدائية من كافة الأطراف على الأرض بدون شروط من الحكومة وأي جماعات مسلّحة والسماح بدخول المساعدات الإنسانية بدون شروط إلى المناطق المنكوبة جميعها، بما في ذلك حمص وحماه وإدلب وغيرها". ولفت إلى أنّ "المطلوب هو بدء حوار فاعل يقود لتسوية سياسية بمفاوضات بين الحكومة والمعارضة في الداخل والخارج"، مضيفاً أنّ "تزويد الأطراف بالسلاح سيساهم بزيادة الأزمة، وعلى الحكومة السورية أن لا تعتبر فشل مجلس الأمن في اعتماد مشروع القرار العربي يشكل رخصة لقتل وقمع المتظاهرين دون حساب".
وفي مؤتمر الاتحاد البرلماني العربي المنعقد في الكويت حاليًا طرح الدكتور محمد سعد الكتاتني رئيس مجلس الشعب المصري ونائب رئيس حزب الحرية والعدالة السابق الذراع السياسي للإخوان المسلمين مبادرة للتعامل مع الوضع السوري تقوم علي‏6‏ نقاط هي: "إعطاء أولوية مطلقة للوقف الفوري للعنف، وطرح حل سياسي، وفتح حوار جاد ومسئول، وتقديم الدعم للشعب السوري، وتوحيد فصائل المعارضة السورية، ورعاية الشعب السوري خارج سوريا‏".
وفي إطار الجمع بين رؤية المجلس العسكري التي طرحها عبد الفتاح أمام الأمم المتحدة، ورؤية الإخوان المسلمين التي طرحها الكتاتني نرى أن الحل الذي تميل مصر "الثورة" إليه هو سياسي صِرف.
إن رؤية الكتاتني تبدو في ظاهرها الجدة، وفي باطنها تكرار للطروحات السياسية العالمية، والأمريكية منها على وجه الخصوص؛ هي تعبير عن رؤية الجامعة العربية بألفاظ رئيس مجلس الشعب المصري الإخواني؛ وهذه الرؤية ثبت فشلها منذ اليوم الأول لإرسال المراقبين العرب لدمشق؛ فضلاً عن تجاهل الحل الواضح أمام الكل؛ ويمكن أن نصف هذه المبادرة بالاستهلاك السياسي المكرور.
الأزمة السورية تحمل في طياتها بوادر الحل؛ فلم يخوض العرب حربًا بالوكالة، ولم يتحرج المصريون من الأزمة السورية، وهناك الجيش السوري الوطني الحر الذي لا يحتاج إلا للدعم المادي والعيني لاستكمال مهامه؛ إذا كان الشعب قد لفظ الطاغية وحاشيته؛ إذا كان الشهداء بالعشرات كل يوم؛ فكيف يسكت الإخوان المسلمون أو يطرحون بديلا متماهيًا في السياسة الخارجية التقليدية المصرية وهم اليوم يملكون قوة لا بأس بها في تعديل هذه السياسة الخارجية المصرّة على عدم تسليح المعارضة السورية.
قد يكون التماهي في الحل العسكري شرًا كله هو الآخر؛ لكن التماهي في الحل السياسي المجرد استهزاء بالدماء التي سفكت وتُسفك، و تجاهل لثورة مرّ عليها عام كامل، وقد يكون الجمع بين السياسي المجرد، وعلى رأسه تفاوض الإخوان المسلمين مع إيران خاصة أن الكتاتني والقيادة الإخوانية ترى إيران دولة مهمة في المنطقة بل عامل من عوامل التوازن فيها بنص تصريحاته مع قناة الرأي الكويتية من خلال تطمينات أو إغراءات ما، والعسكري من خلال دعم المقاومة السورية وعلى رأسها الجيش السوري الحر هو الخيار الأفضل في هذه المرحلة؛ لكن تجاهل دعم المقاومة وشلال الدماء من الشعب السوري الأعزل لا يمكن أن يُقبل من جماعة شعارها "الجهاد سبيلنا"!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق