‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإسلاميون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإسلاميون. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 28 فبراير 2013

هل يدرك الإسلاميون معنى الدولة والأمة؟!

ليس ثمة شك في أن الخطاب الإسلامي الحركي والتأسيسي منذ القدم يتجاهل حقيقة لا مندوحة عنها، وهي: كيف يمكن أن نصل إلى الأممية؛ الأممية الإسلامية  – ولو من خلال التدرج البطيء – ونحن غارقون في إطار وأفكار وأوحال "الدولة الحديثة" لا نسعى للخلاص منها ولو حتى على المستوى البعيد والبعيد للغاية؟!
وهو سؤال لم ينتبه له إلا قليل للغاية من المفكرين الإسلاميين في خلال السنوات القليلة الماضية وحتى منذ الثورة وإلى الآن.
إن "الدولة الحديثة" مصطلح تناوله كثير من المفكرين الغربيين بالشرح والفحص والتأمل، ويعني بصورة موجزة سيطرة الدولة من خلال جهازها البيروقراطي على المجتمع، وفي رؤية آخرين احتكار الدولة للسلاح!
وهذا المفهوم لبنية الدولة يفارق بنية الدولة في الحضارة والنسق الإسلامي، المحصورة غالبًا في "حماية الدين وحراسة الدنيا" غير متغولة على المجتمع، ولذلك ظلت الأمة فوق الدولة وإن صُوّر لنا التاريخ السياسي للدولة الإسلامية بصورة المؤامرات والدسائس والتي قد تنعكس بطبيعة الحال على وضع المجتمع الإسلامي وهو ما يخالف الحقيقة جملة وتفصيلاً.
على أية حال هذا المقال الموجز لا يتناول الفرق الأكاديمي أو المعرفي بين القديم والجديد، بقدر ما يقارن – من الرؤية الاقتصادية – بصورة موجزة بين النظامين، ويفتح التساؤل الأكبر: هل الإسلاميون يملكون القدرة على تشريح بنية الدولة الحديثة؟ وهل يعرفون أن هذه الدولة تفارق نموذج الدولة في النسق الإسلامي؟! هل يدركون معنى الأمة والدولة المسلمة المنشودة؟!
***
كتب الدكتور جلال أمين كتابه المهم "قصة الاقتصاد المصري" منذ محمد علي إلى عصر حسني مبارك، وقد اعتمد في هذا الكتاب على عدة مصادر قيّمة، ومن هذه الكتب وقعت يدي على كتاب "بنوك وبشوات" لدافيد لاندرز ثم الكتاب المهم "حكم الخبراء" لتيموثي ميتشل وكلها يتناول تاريخ الاقتصاد الحديث سواء من خلال تشريحه أو بصورة موجزة أو من خلال موضوعات.
هذه الكتب وغيرها من الدراسات التي تؤرخ لمصر الحديثة اعتمادًا واسترشادًا على "الاقتصاد" أو التاريخ الاقتصادي، ذكرتني ببعض الجدة والعمق في دراسات الدكتور عبد العزيز الدوري مؤرخ العراق الكبير وأسبقيته في حديثه الماتع من خلال دراسات عدة عن "التاريخ الاقتصادي" للدولة العباسية.
إن مقارنة بسيطة بين الوضع الاقتصادي للدولة الإسلامية في عصرها العباسي "كمثال" ومقدمات الدولة الحديثة في مصر محمد علي وأبنائه تبين لنا على مستوى الدولة الإسلامية ونظامها ما يلي:
1- أن الدولة الإسلامية ظلت حتى القرن التاسع عشر محتفظة بنظامها الاقتصادي المستقل غير متأثرة بالقوة الرأسمالية التي تصاعدت منذ بروز شركات الهند الشرقية الهولندية والبريطانية في القرن السابع عشر والثامن عشر، وعمليات التجارة والاستعمار الاقتصادي للبرتغال وإسبانيا في نفس التوقيت تقريبا من خلال تطويق العالم الإسلامي من إندونيسيا شرقا وحتى المغرب وأفريقيا الغربية الإسلامية غربا.
2- أن الدولة الإسلامية غلب فيها النظام الاقتصادي المجتمعي فظلت الأمة من خلال سيطرتها على التجارة عاقدة العزم على احترام القاعدة الاقتصادية الأشهر الطلب يخلق العرض.
3- أن النظام الأخلاقي الإسلامي والقواعد المعاملاتية النبوية والفقهية ومنظومات القضاء الشرعي كانت الكفيل باستمرار هذا النمط من الاقتصاد وفض منازعاته والاجتهاد في سد ثغرات نوازله ومن ثم تطوره وتشعبه وازدهاره من خلال سهولة الحركة في إطار "الأمة الواحدة" التي لا يفصل بينها فاصل.
4- أن الدور الاقتصادي للدولة الإسلامية لم يتعد - غالبًا - حماية المنشآت والأفراد وطرق التجارة، وصيانة الأوقاف، والإشراف على مصارف الزكاة وطرائق إنفاقها واستثمارها.
5- أن هذا النمط قد أثمر ينعه وحصاده على المستوى التقني والحضاري في الدولة العباسية فرأينا التنوع والتقدم بمعناه المادي الضيق الآن فضلا عن الأخلاقي والإنساني.
6- لم تقم الحروب في الدولة الإسلامية من أجل السيطرة على مقدرات الأمم، والهيمنة عليها - سواء كانت الحرب بالمعنى الاقتصادي الضيق أو بالمعنى العسكري المصاحب - بل استغل أهل كل إقليم ثرواتهم وكانت العلاقات التبادلية هي الأصل في رواج الاقتصاد ومن ثم الحضارة.
7- لم تعاني الدولة عجزًا في فترة من الفترات إلا وكانت السياسة الاقتصادية القائمة هي الذاتية في إصلاح الخلل ومن ثم الرجوع إلى الأصل وهو الاستقرار المالي ووفرته!
أما على مستوى الدولة الحديثة فكانت أبرز النتائج ما يلي:
1- كانت القاعدة هي العكس، فبدلا من أن الطلب يخلق العرض، فقد كان ولا يزال العرضُ يخلق الطلب. وهذه القاعدة التي قام باختراعها الرأسماليون "المستثمرون" الفرنسيون والانجليز كانت السبب في إقناعنا بشق قناة السويس وتدمير أهم عناصر الاقتصاد المصري بجلب الفلاحين للقناة وتدهور الزراعة وعلى رأسها القطن ثم الاحتلال ثم احتكار القطن وصناعته ثم تطلب الأمر استخدام التقنيات الحديثة فكانت الديون خلف الديون خلف الديون منذ عباس الأول وسعيد وإلى الآن!
2- لتدمير مقومات إمارة مصر كان عليها أن تنسلخ من الخلافة العثمانية فتضعف الاقتصاد العثماني وتقع فريسة للمرابين، فكانت القاعدة الثانية الانفصام عن الأمة في إطار "المجتمع المتخيل" أو الدولة القومية بمعناها الرومانسي - أشار د خالد فهمي في كتابه "كل رجال الباشا" إلى دراسة بندكت أندرسون "مجتمعات متخيّلة" وأثر هذه النظرية على مجموعة من البشر في إطار جغرافي ما وإقناعهم أنهم شعب واحد لهم صفات معينة وتاريخ معين!
3- كان تمزيق جسد الدولة الإسلامية بعد إنشاء ما يسمى "بالمجتمعات المتخيلة" من خلال اتفاقية "سايكس - بيكو" هي القاصمة في تدمير الاقتصاد المصري ومن ثم الإسلامي.
4- كانت سيطرة الدولة أو ثلة ما على اقتصاد هذا المجتمع المتخيّل/مصر منذ الاحتلال والطبقة الليبرالية الإقطاعية في ظلاله وهم "البشوات" ثم العسكرية العسكر وإن تغلّفت بالناصرية وهيمنة الدولة الطاغوت ، ثم على ما يبدو "الإسلاميون الحداثيون" وتقديم فروض الولاء والتبعية للمؤسسات المرابية الحديثة التي اتخذت من البنك الدولي وصندوق النقد وما شابه مسميات حديثة لمنظومة "الإمبراطورية الرأسمالية الشركاتية" هي قمة اللحظة النماذجية التي تماهت فيها منظومة الاقتصاد "الإسلامي" - إن ظل لها أثر! - في إطار المنظومة العالمية التي لا تختلف كثيرًا عن "شركة الهند الشرقية الانجليزية" في القرن السابع عشر!
5- ستستمر سيطرة المرابين على العالم بهذا النمط من "الرأسمالية المتوحشة" - لا يردعه ولا يوقفه إلا أمر واحد فقط ثبت نجاحه هي الحرب والقوة العسكرية، وكل ما يقال عن بناء الأمة في إطار النظام العالمي المتمركز والمنطلق من المرابين وأشياعهم في الغرب هو كلام تافه لا يثبت أمام الحقائق التاريخية والمقارنة بين "الاقتصاد في إطار التجربة الإسلامية" و "الاقتصاد في إطار النظام الرأسمالي الغربي" ودور كل منهما في تشكيل الغايات الكبرى للأمة المسلمة.
6- الديون والقبول بها والسعي لها إنما هو اعتراف حقيقي وضمني بقبولنا واستمرارنا في المنظومة العلمانية التي يتحكم بها الغرب والغرب وحده.
الخلاصة: ظل الخطاب الإسلامي الحديث متمركزًا ومتمحورًا حول السياسي بمعناه الأداتي والإجرائي الضيق ولا يزال وهو يحسب أنه يُحسن صنعا، ونسي أو لعله تناسى منظومة الاقتصاد ودورها الأصيل في بنية الدولة الحديثة، وفي إطار السياسة والاقتصاد بمعناهم ومبناهم الحداثي فلا يمكن أن تقوم دولة/أمة إسلامية في الإطار التغريبي الاستعماري.
بالطبع فإننا لا نريد أن نعيد التجربة الإسلامية في إطار الزمكاني العباسي أو الأموي أو العثماني، وإنما إعادة التجربة الإسلامية وفق البيئة والظروف والواقع المخالف لن يكون إلا إنطلاقًا من المركز الإسلامي دون غيره وهو ما يعني أن ثمة مواجهة عسكرية على المستوى القريب أو البعيد قد تحدث بسبب جنوح الإسلاميين لهذه الاستقلالية.
الآن أتذكر قصة إنشاء النبي صلى الله عليه وسلم للسوق في المدينة المنورة وهو صاحب اليد العليا، وأتأملها بمنظور جديد، ليست الندية الاقتصادية لليهود هي التي دفعت النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، بقدر ما كان إنشاءً وتأسيسًا لنسق جديد يغاير المنظومة الاقتصادية وبطبيعة الحال المعرفية لليهود في إطار "رجوع كل الأمر له باعتباره القائد العام للمدينة المنورة"، وفي نهاية هذا الموجز ..أتذكر أيضًا: "لن يصلح هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".

نُشر في القدس العربي اللندنية و يقظة فكر و جريدة المصريون و رابطة النهضة والإصلاح و موقع شبكة رصد الإخبارية

الأحد، 13 مايو 2012

مستقبل العلاقات "الإسلامية" العسكرية!

إن النظرة المتأملة للثورات الشعبية التي قامت في القرن الماضي في بقاع شتى من العالم، تثبت لنا أمرًا الدور الحاسم والمهم الذي لعبته المؤسسة العسكرية في تلك الدول سلبًا أو إيجابًا في المسيرة السياسية لتلك البلدان.
سيطرة المؤسسة العسكرية على مصر
وفي مقال له بتاريخ 30 أبريل 2004م كتب الباحث السياسي المخضرم منذر سليمان بجريدة "الحوار المتمدن"  مقالاً مهمًا عنوانه "الجيش والسياسة والسلطة في الوطن العربي" تحدث فيه عن إمكانية حدوث هبات شعبية جراء الأوضاع السياسية والاقتصادية السيئة التي تعاني منها البلدان العربية ومدى تداخل دور المؤسسة العسكرية في هذه الأحداث، وهذا ما حدث بعد 7 سنوات من مقاله ذلك، وقد جاء فيه: "إن الهزات النقدية التي ستنشأ بسبب التضخم و ارتفاع أسعار المواد الأساسية وانخفاض القدرة الشرائية وقيمة العملة الوطنية ستؤدي إلى هز صورة الاستقرار وستكون "صرخة" أفراد المؤسسة العسكرية والأمنية أقوى واندماجهم أسرع في حركة الشارع الجماهيرية خاصة عندما يتعذر على السلطات إحكام السيطرة على المؤسسة العسكرية خلال فترة مستديمة من التحرك الشعبي. ربما يكون هذا السيناريو مغرقا بالتفاؤل حيال إمكانية انتقال المؤسسة العسكرية إلى خيارات بعيدة عن حماية النظام القائم ولكنه يبقى احتمالا واردا يستوجب على القوى والمنظمات والأحزاب السياسية التي تنشد التغيير الديمقراطي والجذري في العالم العربي أن تدخل في حساباتها الدور الحيوي الذي يمكن أن تلعبه المؤسسة العسكرية سلبا أو إيجابا في معركة التغيير وألا تدير ظهرها كليا لقطاع واسع من المجتمع وتصنفه بصورة أبدية في المعسكر العادي".
واليوم وبعد قيام الثورة في خمس بلدان عربية يمكن من واقع التجربة الحية أن نصنف دور المؤسسة العسكرية في مساعدة الجماهير على إحداث التغيير المنشود كما حدث في تونس حتى الآن، أو محاولة احتوائه كما حدث في مصر، أو محاولة القضاء عليه كما حدث في سوريا وليبيا أو العجز عن القيام بأي دور كما في اليمن!
إنه لا يمكن أن نغض الطرف عن تاريخ العلاقات المدنية العسكرية في العقود الثلاثة الأخيرة، والتي تؤكد أن المعادلة القديمة التي تقول إن أساس الحكم في البلدان العربية كان ولا يزال قائمًا على الارتكان لهذه المؤسسة التي من المفترض – في المخيلة الشعبية والسياسية - أنها كيان محايد لا شأن له بالأوضاع الداخلية في محاولة يائسة لخداع النفس الذي يتنافى مع التاريخ الطويل من السيطرة السياسية والاقتصادية والقانونية من وراء الستار والتي ستشبه إلى حد كبير تلك الممارسات التي تتجلى في "المجمع الصناعي الحربي" في الولايات المتحدة والتي يمكن أن نرها في مصر عما قريب إذا أذعن التيار الإسلامي صاحب الأغلبية البرلمانية والشعبية إلى مطالب هذه المؤسسة.
فعلى صعيد السيطرة السياسية لطالما كان انقلاب 1952م في مصر البداية الحقيقية لعسكرة الحياة السياسة طوال الستين عامًا التالية، لذا طالما كان الرئيس من المؤسسة العسكرية التي ترتضي التعاون مع القوى الدولية الجديدة بريطانيا أولاً ثم روسيا في مرحلة ما ثم الولايات المتحدة قبيل حرب أكتوبر 73 وحتى الآن فلا ضرر في استمرار هذه المؤسسة في عملها طبقًا للإستراتيجية التي خطتها لنفسها، ولا داعي لأن يقحم العسكر أنفسهم في الحياة السياسية أو التآمر لإحداث انقلاب عسكري مباشر طالما كان رئيس الجمهورية "القائد الأعلى للقوات المسلحة" ابن من أبناء هذه المؤسسة، ولنا أن نحكم على الحياة السياسية والديمقراطية والحزبية في مصر طوال هذه الأعوام الستين بالفشل الذريع الذي كان سببًا في قيام ثورة 25 يناير 2011م، والتي ارتضى كل الأطراف مرة أخرى أن تكون المؤسسة العسكرية هي الحاكم للمرحلة الانتقالية المفخخة!
أما على صعيد الممارسة الاقتصادية فمن أجلى ما كُتب في هذا الشأن ما ذكرته أستاذة العلوم السياسية الدكتورة رباب المهدي في مقال لها بعنوان "العلاقات المدنية العسكرية في مصر" نشرته صحيفة الشروق المصرية في 8 يناير الماضي جاء فيه: "تُعد المؤسسة العسكرية من ناحية ما مؤسسة أعمال تجارية مترسخة في الاقتصاد (تساهم بـ25 - 40 % من الناتج الإجمالي المحلى) ولكن الأكثر خطورة من ذلك هو ترجمة هذه القوة الاقتصادية في قاعدة دعم اجتماعية؛ بمعنى أن هناك 400000 مهني بالجيش وأسرهم والتي يمكن أن تقدر بـ2 مليون مستفيد من الترسيخ الاقتصادي للمؤسسة العسكرية".
بل أكثر من ذلك تملك القوات المسلحة بقوة القانون والتشريع منذ انقلاب 52 وحتى اليوم السيطرة على معظم أراضي القطر المصري غير المأهولة، وهذا ما كشفته الدكتورة زينب أبو المجد في مقالها شديد الأهمية بتاريخ 6 مايو الحالي وعنوانه "دولة قانون وزارة الدفاع" والذي أوضحت فيه أن مساحة مصر غير المأهولة تخضع لسلطة ثلاثة هيئات حكومية على رأسها العسكر؛ قالت: "عندما أصدر المخلوع قانوناً لإنشاء هيئات تدير أراضي الدولة، لم تكن مفاجأة لأحد أن العسكر احتفظوا بموقعهم فوق الممتاز على رأس كل منها. أنشأ المخلوع ثلاث هيئات رئيسية لهذا الغرض في مجالات السياحة والصناعة والزراعة، ويتربع على عرش ثلاثتهم اليوم لواءات من الجيش. تقول المادة ٢ من قانون رقم ٧ لعام ١٩٩١: إن هيئة التنمية السياحية تقوم على التصرف في الأراضي المخصصة للسياحة، وهيئة التعمير والتنمية الزراعية تتولى الأراضي المخصصة للاستصلاح، ثم هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة تقوم على أراضي المجتمعات العمرانية الجديدة، وهي أيضاً تقيم المناطق الصناعية والأسواق. اليوم، رئيس الهيئة الأولى هو اللواء طارق سعد الدين، والثانية هو اللواء كمال الدين حسين، ومدير الثالثة هو اللواء إبراهيم العجمي"!
فكيف يمكن أن نصدق أن المؤسسة العسكرية التي تسيطر على 40% من الاقتصاد المصري وظلت طوال 60 سنة تسيطر على الحياة السياسية وتسيطر على 90% من مساحة مصر .. كيف يمكن أن تتخلى أو تقبل التخلي عن سلطتها وتسلم أهم كيان لها منصب رئيس الجمهورية لتيار إسلامي جاء على رأس المشهد السياسي بعد ثورة شعبية اقتربت أن تكون في ذمة التاريخ دون توافقات أو ضمانات ما؟!
أثر انقسام التيار الإسلامي على مستقبله السياسي
من خلال تحليل سريع للـ15 شهرًا الماضية التي أعقبت خلع مبارك يمكن أن نقول إن الإستراتيجية العسكرية قامت ولا تزال على تحقيق هدفين: الأول تشظي القوى السياسية والشعبية التي قامت بالثورة وهذا أمر نجحت فيه إلى حد كبير. والثاني: تفخيخ التيار الإسلامي ذاته وشرذمته وهذا ما نجحت فيه كذلك بنسبة كبيرة فقد ظهر بوضوح هذا الاختلاف في البرلمان ورفض حزب النور السلفي لإقالة الحكومة ومنذ وجود أبو إسماعيل في سباق الرئاسة وعدم دعمه لا من الإخوان ولا من التيار السلفي رغم شعبيته الجارفة وتخليهم عنه في معركته العادلة وبدا أن كلا الفريقين شعر بالراحة منذ استبعاده ثم في المعركة الانتخابية الدائرة التي تلخّص المشهد المأساوي لهذا التيار؛ فيقف الإخوان المسلمون وحزبهم خلف محمد مرسي وتقف الدعوة السلفية وحزبها خلف عبد المنعم أبو الفتوح، وكلا الجانبين يلقي اللائمة على الجانب الآخر لأنه عمل على تفتيت "الصف" و"شقه"  ولا يمكن أن نقول إن التيار الإسلامي في مصر موحد!
في ظل هذا المشهد تصبح معركة الرئاسة والدستور أهم المعارك التي يخوضها هذا التيار مع المؤسسة العسكرية التي صرحت بوضوح أنها لن تتنازل عن حقوقها "الاقتصادية" و"ستقاتل" للدفاع عنها، ولا نستغرب إذا دافعت عن مكانتها السياسية والقانونية كذلك من خلال "مجلس الدفاع الوطني".
ومن هنا نقول إن التيار الإسلامي في مصر فشل فشلا ذريعًا في تعامله مع المؤسسة العسكرية، ولم يستطع حتى هذه اللحظة إعادة الجيش لوضعه الطبيعي والقانوني، وقد كان هذا التيار على الدوام حتى الآن رد فعل، فلم نره يملك الإستراتيجية التي تعمل إعادة الحياة السياسية والاقتصادية والقانونية لصاحبها الأصيل "الشعب المصري" بل ولم يستفد بالفعل "من تجارب التاريخ" التي كانت السبب الأصيل في تحجيم هذا التيار واضطهاده عبر عقود طويلة في العلاقة الجدلية بينه وبين العسكر، واليوم يعمل العسكر على إعادة "تحجيم" التيار الإسلامي بتفتيت المفتت، وتحالفه الوقتي مع أحد جناحي التيار الإسلامي لضرب الجناح الآخر بحسن نية هذا الفصيل أو سوئه، ولا يمكن في إطار المعركة الانتخابية الدائرة أن نضمن "نزاهة" الانتخابات الرئاسية في ظل المادة 28 من الإعلان الدستوري التي تحصن قرارات لجنة الانتخابات من أي طعن عليها، ويصبح التيار الإسلامي بالفعل في مهب الريح إذا وصل رئيس من النظام السابق إلى الحكم مرة أخرى، فقد نرى حل البرلمان، وقد نرى تحالفًا وقتيًا يقبل فيه الإسلاميون ببعض الوزارات الهامشية، وقد يصل رئيس إسلامي للحكم في ظل مواد دستورية تضع للمؤسسة العسكرية مميزات وحصانات معينة، لكن سيطرة التيار الإسلامي لن تتحقق كاملة في ظل الضعف والهزال الذي وصل له منذ الثورة وإلى الآن، وفي ظل عزوف الشارع عن معاضدة هذا التيار، ولا يبقى مع بعض التعديلات التشريعية الأخيرة على قانون انتخاب رئاسة الجمهورية إلا إعادة شحن الشارع من الآن لضمانة عدم تزوير الانتخابات التي تعد معركة حياة أو موت لهذا التيار بالفعل، هذا إن لم يكن هناك اتفاقات مبطنة مع العسكر!

الاثنين، 26 مارس 2012

الإخوان والعسكر ومعركة الفصل الأخير!


عقب الأحداث التي عُرفت إعلاميًا بمحمد محمود في شهر نوفمبر من العام الماضي والتي أعقبها تقديم انتخابات الرئاسة المصرية عام على الأقل لتصبح في شهر مايو 2012م، أصر الثوار على استقالة حكومة شرف وتكليف الوزارة لرئيس من الميدان وظهر اسم محمد البرادعي المرشح المنسحب من انتخابات الرئاسة، وعبد المنعم أبو الفتوح القيادي الإخواني السابق والمرشح الحالي لرئاسة الجمهورية وحسام عيسى أستاذ القانون وغيرهم، غير أن اختلاف الثوار على أنفسهم وإصرار بعضهم على إركاب "البرادعي" رئيسا للوزراء، جعل العسكر  يبادر بتعيين الجنزوري رجل النظام البائد في هذا المنصب وقد شكل حكومة تقليدية لا تختلف عن عصر مبارك في شيء بل فيها من عاصر مبارك مثل حسن يونس وزير الكهرباء وفايزة أبو النجا وزيرة التعاون الدولي!
في المعمعة!
لم يعلق الإخوان على هذه الحكومة ورضوا بها بحجة تفويت الفرصة على كل من يعطل الانتقال التدريجي للسلطة خاصة وأن الانتخابات البرلمانية كانت على الأبواب، والكل كان يستعد لها، وعقد الجميع على هذه الحكومة التي قال رئيسها إنه جاء بصلاحيات كاملة آمالا كبيرة في حل المشاكل المتفاقمة بعد الثورة خاصة الوضع الأمني والاقتصادي المنهارين، لكن أيًا من هذه المطالب لم يتحقق، وأخيرا بدأت الأغلبية الإسلامية من الإخوان والتيار السلفي في مجلسي الشعب والشورى تنادي بإقالة هذه الحكومة التي وصفتها صراحة بأنها السبب الرئيسي لافتعال الأزمات بغرض إسقاط البرلمان، وتلغيم الوضع لأي حكومة قادمة، بل أضحت هذه الحكومة ورقة ضغط قوية صرح العسكر مرارًا أنه لن يقيلها حتى انتهاء الفترة الانتقالية!
الإشكالية الكبرى في هذه الحكومة أنها مستمرة في عملها في ميقات خطير في تاريخ الحياة السياسية المصرية؛ لقد تبقى شهرين على موعد انتخابات رئاسة الجمهورية في مصر والوضع الداخلي والخارجي الذي تسببه هذه الحكومة يد العسكر التنفيذية كارثي بكل المقاييس.
فعلى الصعيد الداخلي تفاقمت أزمة السولار والبوتجاز وبعض السلع الأساسية والأزمة المرورية والأمنية والإضرابات العمالية وآخرها إضراب عمال هيئة النقل العام الذي سبب أزمة – ولا يزال – في مرور القاهرة المتكدس أصلاً؛ فضلاً عن أزمة الحمى القلاعية، ورجوع الأمن الوطني مرة أخرى، وإرهاب الناشطين السياسيين واعتقالهم وغيرها من الأزمات الكثيرة جدا، والتي لا يمكن أن تكون مجرد صدفة في هذا التوقيت الخطير.
أما على الصعيد الخارجي فلا يزال موقف مصر من الأزمة السورية وحصار غزة في غاية التأخر بل يبدو منه التواطؤ؛ فقد مرت بارجتين حربيتين إيرانيتين قناة السويس إلى سوريا تحت سمع وبصر هذه الحكومة والمجلس العسكري الحاكم، بل الأخطر أن حسن البرنس نائب مجلس الشعب الإخواني عن الإسكندرية أعلن بالأمس القريب على موقع الإخوان الرسمي أن الحكومة المصرية رحّلت نشطاء سوريين مقيمين في مصر إلى دمشق وهذه فضيحة بكل المقاييس.
وأما غزة فلا تزال أزمة الوقود والكهرباء فيها مستمرة منذ أسابيع للدرجة التي تظاهر فيها الغزاويون عند معبر رفح منذ بضعة أيام للاستنجاد بمصر لحل هذه الأزمة التي مصر بطبيعة الحال طرف فيها؛ هذا فضلا عن فضيحة سفر الأمريكيين المدانين في قضية "منظمات المجتمع المدني"، وخروجهم على متن طائرة عسكرية أمريكية حطت في مطار القاهرة المدني على الرغم من السلطات المصرية!!
كل هذه الكوارث الداخلية والخارجية سببت سقوطًا مدويًا يوميًا للإسلاميين في نظر المواطن العادي، الذي يراهم في برلمانهم لا يحركون ساكنًا؛ وهذا في الواقع ما يعبرون عنه بالصياح والصوت العالي والتنديد بل والتلويح بسحب الثقة من الحكومة ثم أخيرا الإصرار على إسقاطها وستتمخض نتائج هذه الملحمة إن صح التعبير في هذا الأسبوع وما يليه.
اللعب على المكشوف!
في ظل إصرار الإسلاميين على سحب الثقة من الحكومة وعلى رأسهم الإخوان جاءت إليهم رسائل تهديد مبطنة من العسكر كما صرح الدكتور عمار علي حسن أستاذ الاجتماع والإعلامي المعروف على حسابه على الفيس بوك تقول لهم إن شرعية البرلمان على المحك ويمكن تحريك ملف هذه الشرعية والطعن فيها وهو موجود عند رئيس المحكمة الدستورية العليا ومن ثم حل البرلمان ؛ الأمر الذي صعد من نبرة المواجهة بين الطرفين؛ تزامن هذا مع تغير رؤية الإخوان في ترشيح أحد قياداتهم في انتخابات الرئاسة؛ فقد صرحوا أنه في ظل المستجدات الحالية والدولية فإنه لا مشاحة في أن يترشحوا لهذا المنصب، وتردد اسم خيرت الشاطر نائب المرشد العام للإخوان وهو بالفعل قاب قوسين أو أدنى للترشح.
في المقابل قدم مجموعة من المحامين للنائب العام المصري ملف اتهام يطالبون فيه بحل حزب الحرية والعدالة الذراع السياسي لجماعة الإخوان أكبر الأحزاب المصرية ومحاكمة المرشد محمد بديع ونائبه خيرت الشاطر لارتباطهم بالتنظيم الدولي وهو ما يخالف القانون المصري وقانون تنظيم الأحزاب، وهنا أصبح اللعب على المكشوف بين الجانبين، لذلك وفي ردة فعل قوية من الإخوان أخرجوا بيانًا ناريًا بتاريخ 24 مارس عددوا فيه مثالب هذه الحكومة وكان أخطر ما جاء فيه قولهم: "إن الإبقاء على هذه الوزارة لاسيما وأننا مقبلون على انتخابات رئاسية وعلى استفتاء شعبي على الدستور، إنما يثير الشكوك حول نزاهة هذه الانتخابات والاستفتاء، كما أن التدهور المتواصل في أحوال الشعب، أمور لا يمكن السكوت أو الصبر عليها، وإنه إذا كان هناك من يسعى لإعادة إنتاج النظام الفاسد السابق بوجوه جديدة، فإن الشعب قادر ومستعد للحركة لإعادة إنتاج ثورته وحمايتها وإنقاذ سفينتها قبل أن تغرق إلى القاع على أيدي أناس لا يستشعرون المسئولية الشرعية أو الوطنية". وهو تهديد صريح للنزول في مليونيات جديدة إلى الميادين للتخلص من كل من يريد إعادة إنتاج الفساد مرة أخرى لاسيما ملف انتخابات الرئاسة وإمكانية تزويره وملف الدستور الذي يريد العسكر فيه صلاحيات تجعله بمنأى عن المدنيين ومستقلا بنظامه المالي والعسكري والسيادي، وهذا أخطر ما في الواجهة بين الدولة الأمنية ومن يريدون دولة ديمقراطية جمهورية لا استعلاء فيها لأحد.
في اليوم التالي أخرج العسكر بيانه القوي الذي يذكر فيه الإخوان بدروس تاريخ العلاقة الجدلية بينهم منذ عبد الناصر الذي أدخلهم السجون حتى مبارك الذي ذاقوا الأمرين في عهده، وهو بيان خطير شديد اللهجة، أخطر ما فيه التهديد المبطن بالانقلاب على الثورة ذاتها وإن كان الإخوان هم المقصود الظاهري للخطاب!
كيفية الخروج من الأزمة
ثمة ثلاث نتائج من المحتمل أن تتجلى إحداها من هذا التصعيد بين المجلس العسكري وبين الإخوان المسلمين:
أولهما: تعنت كل طرف وتصلبه على موقفه، وانتهاج سياسة عض الأصابع؛ الشجاع فيها من يتحمل للنهاية، لكن الإشكالية أن العقلية العسكرية وإن استعانت بالمخابرات والمستشارين السياسيين لا طاقة لها بهذه المواجهة السياسية والصدام عندها مقدم على المناورات، فالخشية هنا من انقلاب عسكري في ظل معاناة الشارع المنفض عن الزخم الثوري؛ ولذا لابد من خطوة استباقية من الإخوان والثوار عمومًا – ينسى فيها كل الوطنيين والثوار ولو إلى حين تجاذبات النيل ونقد المواقف - إن رأوا إصرار العسكر على مواقفه في خلال هذا الأسبوع؛ أي النزول في مليونيات تزيح هذه الحكومة لتنشأ حكومة وطنية تشرف بنفسها على انتخابات الرئاسة والاستفتاء على الدستور وحل الكوارث الداخلية والخارجية.
ثانيهما: الوصول لحل وسط يرضى فيه الطرفان بالأمر الواقع، ويخسر فيه الطرفان كذلك جزءًا من المكتسبات التي كان يحلم بها، وهو منطق براجماتي تفاوضي يضع الثورة تحت الأقدام.
ثالثهما: تململ أي من الطرفين، ورجوع العسكر عن المواجهة لا شك أنه مهم ومفيد وجيد وفي صالح الثورة وما تبقى من المرحلة الانتقالية التي ستكلل بانتخابات الرئاسة في أواخر مايو. لكن المصيبة الأكبر ستكون في تململ وانسحاب الإخوان، وظهورهم في الشارع بمظهر صاحب الصوت العالي دون الفعل على الأرض؛ وهذه المصيبة لن تكون نتائجها على الإخوان وحدهم؛ فهنا حُق لأي معاد للثورة ولو في النظام الحاكم أن يفعل ما يحلو له، لتستمر الكوارث، وينفض الشعب عن البقية الباقية من الزخم الثوري والبرلمان، ويرجع النظام القديم ولو بالتزوير والصدام أو الانقلاب العسكري.
لا شك أننا في أخطر لحظات الثورة المصرية إن لم نكن في أخطر لحظات تاريخ مصر الحديث كله؛ فإما لحظة الانعتاق من الدولة الأمنية الاستبدادية التي استمرات جاثمة على صدور المصريين طوال عقود طويلة أو لحظة العودة إلى الخلف لإعادة إنتاج النظام القديم!

الاثنين، 19 مارس 2012

بين إسلاميي مصر وهاشمي العراق!

يمكن لمن لا يعرف سيرة طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية العراقية أن يرجع لموقع "ويكيبيديا" ليعرف من هو الرجل الذي انتقل من السلك العسكري إلى الجبهة الإسلامية وخاصة جماعة الإخوان المسلمين لينظم من خلالها المقاومة السنية في مواجهة المحتل الأمريكي وأذنابه من طوائف الداخل ثم إلى ائتلاف العراقية بقيادة إياد علاوي مقتًا منه للتخندق الطائفي، برغم ما لحقه من أوصاف الانتهازية والبحث عن المصلحة الذاتية.
 لقد كتب الدكتور محمد يُسري سلامة المتحدث السابق لحزب النور السلفي في مصر مقالاً مهمًا عن تجربة طارق الهاشمي قائلاً فيه: "بعد احتدام جرائم الاحتلال العسكري الأمريكي، واشتعال القتال الطائفي مع الميليشيات الشيعية التابعة له أو المدعومة من إيران، وما صاحب ذلك من جرائم بشعة، رأى الهاشمي وطائفةٌ من الذين معه أن المقاومة ليست الحل، وأنه من الأفضل نبذ القوة وترك الكفاح المسلَّح، والاحتكام إلى السياسة وآليات الديمقراطية التي بشَّر بها الأمريكيون، لا لشيءٍ سوى أنهم أرادوا حفظ الدولة العراقية من السقوط، وحقن دماء العراقيين التي كانت تسيل بغزارةٍ في كل يومٍ وفي كلِّ شارعٍ من شوارعهم. وكان تأسيس الحزب الإسلامي كواجهةٍ سياسية لإخوان العراق، ثم كانت الانتخابات التي عُيِّن الهاشمي بعدها نائبًا لرئيس الجمهورية.والحقُّ أن الرجل قد تعرض لمحنٍ شديدةٍ ومحاولاتٍ قاسية من بعض الميليشيات الشيعية لجرِّه إلى القتال مرةً أخرى، ودفعه للتخلي عن النهج السلمي الذي اختاره، وتمثل ذلك في اغتيال ثلاثةٍ من أشقائه تباعًا في عامٍ واحد، لكنه آثر أن لا يتحرى عن قتلة أشقائه لينتقم لهم، كي لا يكون سبباً في نشر ثقافة الانتقام والثأر بين أبناء وطنه، وهو موقفٌ يُحسب له من دون شك، ويدل على إخلاصه وتجرده، لكن الإخلاص أمرٌ، وإصابة الحق أمرٌ آخر".
صدق الدكتور يُسري، وإصابة الحق شيء آخر؛ وبعد 4 أعوام كاملة في منصبه وفي ديسمبر الماضي حدثت تفجيرات بجوار البرلمان العراقي بالتزامن مع مرور رئيس الوزراء العراقي "الشيعي" نوري المالكي، وبعد البحث والاستقصاء والتحري و"التلفيق" على ما يبدو، واستنطاق الشهود تحت الإكراه والتعذيب والتهديد – بحسب الهامشي نفسه – تم إلصاق التهمة بنائب الرئيس العراقي الإخواني السابق؛ وتحول الرجل بقدرة قادر وبين عشية وضحاها إلى عدو الوطن، وقائد الإرهاب، ومن ثم التشهير به على تلفزيون "العراقية" الرسمي وغيره.
لم ينفع الإخلاص والتجرد والبحث عن التوافقية الهاشمي شيئًا بعد كل ما مر به؛ لقد وصل به الحال قبل أن يئول مصيره للطرد والملاحقة في إقليم كردستان العراق إلى أن حاصرت الدبابات بيته في المنطقة الخضراء أهم مناطق التمركز السياسي في العاصمة، بل وأقواها من ناحية السيطرة الأمنية؛ بل وصل به الحال إلى "البهدلة" السياسية، وعدم إعطائه الحصانة القانونية التي من المفترض أن يتمتع بها من هم دونه في المنصب والمكانة، وقال في مؤتمر صحفي إثر هذه الاتهامات إنه كان "محاصرًا في المنطقة الخضراء منذ شهرين وأن بيته دوهم وصودرت حواسيب ووثائق". بحسب تقرير أعدته بي بي سي العربية في 20 ديسمبر الماضي بعنوان "الهاشمي ينفي الاتهامات الموجهة إليه".
لقد ساعد طارق الهاشمي في "العملية السياسية" بالقضاء على المقاومة العراقية وإنشاء ما يُسمى بالصحوات، وتعني أن تُرشد كل قبيلة سُنية عن أفراد المقاومة بها ليتم التخلص منهم أو قتالهم إذا لزم الأمر وبالمقابل ضربت القوات الأمريكية بالاشتراك مع بعض الميليشيات التابعة للمالكي ميليشيات مقتدى الصدر التي كانت المنفِّذَ لأعمال قتل السنَّة؛ تم بعدها السيطرة على القتل الممنهج للسنة في العاصمة؛ لكن ذلك كان له مآله الخطير إذا تم السيطرة على القوة السنية وتحجيمها وتقليم أظافرها ثم تدجينها في عملية سياسية يسيطر عليها نوري المالكي بقواته المسيطرة على الشرطة والأمن؛ ولم ينفع الهاشمي وائتلاف العراقية مثقال ذرة من ذكاء سياسي ونضال اتكأ على الإخلاص والتجرد!
هنا يذكرني الهاشمي بآخر خلفاء العباسيين في بغداد المنكوبة المستعصم العباسي الذي ورث عن أبيه المستنصر جيشًا قوامه 100 ألف مقاتل، استعادت به خلافة العباسيين رونقها وقوتها التي اشتهرت بها في زمن هارون والمأمون والمعتصم؛ لكن المستعصم الذي يمكن أن نصفه بـ"الإسلامي" إذ كان ذا خُلق حميد هو الآخر، مستمسكًا بشرع الله، متحريًا أوامره، كان فقط حسن النية إلى الدرجة التي تماهى فيها خلف وزيره ابن العلقمي الشيعي وبعض خفيفي العقل ممن قدمهم في رأس السلطة وجعلهم مواليه، خفّض ابن العلقمي عدد قوات الجيوش العباسية من 100 ألف إلى بضعة آلاف كان أهل بغداد يعطفون عليهم لفقرهم وعوزهم؛ ثم تراسل مع المغول من الباطن ليخطب ودهم ويشجعهم على احتلال بغداد؛ ولذلك كان من الطبيعي أن يُقتل المستعصم، ويدخل المغول بغداد، وتنكب الخلافة العباسية إلى الأبد!
في مصر يتناسى إسلاميوها الذين يسيرون على درب الهاشمي كل هذه التجارب، وآخرها تجربة الهاشمي الإخواني في العراق، وهي تجربة مثيرة ومهمة؛ إنهم يتذرعون بأن البرلمان الذي هم أغلبيته سيحميهم من أي غدر أو انقلاب أو ابتزاز وتناسوا أن الهاشمي نائب لرئيس دولة العراق؛ يقولون لأنصارهم لن نختار رئيسًا إسلاميًا قويًا لأن أمريكا والقوى الدولية ستضغط علينا وتجعلنا مثل حماس في غزة؛ وكأن حماس في تقييم ساذج، واختزال مخل، أضحت مضربًا للمثل في الفشل والاندحار!!
إنهم يتناسون لحظة فاصلة في تاريخ الوطن تجمعت فيها المعطيات الغالية التي لم يكن أحد ليحلم بها منذ أشهر قليلة فقط؛ لحظة تشبه ظهور المذنبات النادرة التي تتجلى للفلكيين كل عشرات السنين؛ لحظة زخم ثوري مع سقوط بعض أركان النظام الفاسد مع صعود التيار الإسلامي مع ترنح الاقتصاد العالمي الذي يكبل كل طواغيت الخارج في التدخل المباشر في الشئون الداخلية كل هذه المعطيات يتم تجاهلها وهدرها والدوس عليها لصالح إعادة ترميم النظام القديم بإرهاب أو ابتزاز أو صفقات أو غباء؛ الآن الشعب يريد رئيسًا قويًا يطهر كل المؤسسات والأفراد الفاسدون، ويقطع كل صلة بالنظام البائد أيًا كان موقعه؛ ويبدأ بداية نقية ينفذ فيها إستراتيجية الثورة و"الشعب يريد"، وإسلاميونا يرون اللحظة لم تحن بعد، فما أعجب من يريد الذهاب للإسكندرية ليركب قطار أسوان!!
ثمة تجربتان مهمتان مرت بهما الحركة الشعبية الإسلامية في مصر؛ لو تم استغلالهما لتغير شكل مصر وربما شكل المنطقة بأسرها، ولا أدري كيف لا ينظر إسلاميو مصر لهما: الأولى حينما احتلت قوات نابليون بونابرت مصر في يوليو عام 1798م لتجد مقاومة وثورة استمرت منذ أول يوم وحتى خروج بونابرت وجيوشه خائبة مدحورة بعد ثلاث سنوات فقط وكان زعيم هذا الزخم الثوري شيخ المقاومة الشعبية الأزهري الإسلامي عمر مكرم، لقد بحث عمر مكرم عن قائد "توافقي" يبدو منه الصلاح ويثق فيه ليسلم إليه مصر، فأعطاها لمحمد علي الذي لم يكونوا يعرفون تاريخه وأخلاقه على سبيل القطع واليقين، فتسلمهما محمد علي ليحطم المجتمع المدني المصري، ويقضي على طبقة المماليك فيه، وينفي عمر مكرم وقادة المقاومة الشعبية، بل ويجمع السلاح من المصريين؛ ليتم السيطرة على مصر، وتُغير البنية الاجتماعية فيها؛ ويصبح المصري ذليل وأسير الدولة المركزية المستبدة إلى الآن؛ فماذا لو اختار عمر مكرم أحد قادة الثورة الفعليين ليكون رئيسًا لمصر، بل ماذا لو عرض نفسه هو ليكون واليًا على مصر، هل كان سيجد ممانعة، وماذا ستكون النتيجة غير نهضة حقيقية مصرية يقوم بها أهل مصر، ربما لتغير التاريخ، ولم نكن سنرى الاحتلال الانجليزي الذي استمر 70 عامًا متصلة وما بعده من حقبة استبدادية طويلة !!
والتجربة الثانية كانت في إقالة عبد الناصر لمحمد نجيب في المرة الأولى عقب انقلاب يوليو 1952م، وكان ذلك في فبراير عام 54 وكانت تجربة تؤكد للكل بوادر الانقلاب على الديمقراطية بالكلية؛ لكن سرعان – تحت ضغط الشارع – ما أُرغم عبد الناصر ومن معه لإعادة نجيب مرة أخرى، وفي أثناء ذلك خرج الإخوان المسلمون في مظاهرة حاشدة كان قوامها 150 ألفًا حاصرت قصر عابدين وكان على رأسها الدستوري الإخواني عبد القادر عودة الذي كان سببًا في انفضاضها، الأمر الذي أكد لعبد الناصر أن القضاء على هذه القيادات قضاء على أي زخم يقاوم مخططهم، وهذا ما تم بالفعل؛ فقد أُعدم عبد القادر عودة وآخرين معه، واعتقل محمد نجيب تحت الإقامة الجبرية، وضاع الزخم الثوري والثورة بكاملها لتنتهي مصر إلى الفشل والتبعية للقوى العظمى!
مع كل هذا التاريخ لا أفهم كيف يطاوع الإسلاميون أنفسهم بتجاهله، كيف يسعون كما جاء على لسان عصام العريان القيادي الإخواني ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب بإنشاء مجلس للدفاع الوطني قد يكون للعسكر القيادة فيه سائرين على النموذج التركي قبل 80 عامًا، بل كيف لا يقفون خلف مرشح إسلامي قوي يتلافى كل هذا التاريخ الكريه، ويحقق أخيرًا ما حلمت به الجماهير منذ عمر مكرم قبل مائتي عام كاملة؟!
يؤكد التاريخ لنا أن القوة – أيًا كان نوعها وظروفها - أصل السيطرة، ومن حاد أو تنازل عن قوته لخصمه، فلا يلومن إلا نفسه!

الخميس، 8 مارس 2012

الإخوان المسلمون في مصر والأزمة السورية


في 18 فبراير الماضي خرج عصام العريان القيادي الإخواني ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب بتصريح قال فيه: "لماذا لم يتم استدعاء سفيرنا من سوريا للتشاور واستدعاء السفير السوري لإبلاغه احتجاج قوي ضد المذابح التي تحدث في سوريا؟!!" وكان هذا التصريح متزامنًا مع تظاهرات قوية شهدتها السفارة السورية في القاهرة كان على رأسها المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية حازم أبو إسماعيل.
في اليوم التالي 19 فبراير فوجئنا أن سوريا قد استدعت سفيرها من القاهرة مع خطوة مماثلة من القاهرة، واستبشرنا بهذه الخطوة خيرًا في تقدم في رؤية الإخوان المسلمين للأزمة السورية وبدء خطوات جادة وضغوط على المجلس العسكري الحاكم في هذا الأمر.
لكن ظل وضع الإخوان في الملف السوري كما عليه، كلام جميل وفعل قليل؛ حتى فوجئنا بمرور سفينتين حربيتين إيرانيتين لقناة السويس متجهتين لسوريا دون ردة فعل تُذكر من الإخوان المسلمين وهم أغلبية مجلسي الشعب والشورى مع التيار السلفي.
وفي تقرير أعده توم بيري وإدموند بلير على موقع رويترز العربي بتاريخ 26 فبراير الماضي وعنوانه "صوت الإخوان يعلو في مصر وعينهم على الحكومة المقبلة" قيّما فيه السياسة الخارجية للإخوان المسلمين بقوليهما: "عقد نواب حزب الحرية والعدالة عددا من الاجتماعات مع وزير الخارجية خلال الأسابيع الأخيرة. ووجهت الدعوة إلى النائب عصام العريان الذي يرأس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشعب لحضور الغداء الذي أقيم يوم 19 فبراير مع الوزير والرئيس الحالي للجمعية العامة للأمم المتحدة وهو قطري. وقال رشدي: إنهم (الإخوان المسلمون) يريدون العمل مع الجميع. هذه هي الرسالة التي تصلني كمصري. وربط جمال حشمت عضو البرلمان من حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين وعضو لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشعب بين الضغط البرلماني والخطوة التي اتخذت بشأن الوضع في سوريا. وقال "أظن سحب السفير كان استجابة لضغوط موجودة." ويضغط البرلمان من أجل اتخاذ المزيد من الخطوات فقد طلب من الحكومة توضيح سبب السماح لسفينتين حربيتين إيرانيتين رستا في سوريا يوم 18 فبراير بعبور قناة السويس. وطهران حليف وثيق لدمشق."
وحتى الآن لم نعرف الأسباب التي سمحت من خلالها السلطات المصرية لعبور هذه السفن لقناة السويس؛ ولا ردة الفعل التي اتخذها الإخوان في مجلس الشعب تجاه هذه المعضلة؛ وإن جمدوا العلاقات البرلمانية مع البرلمان الأسدي.
إن تقرير رويترز الآنف وإن كان يقيّم رؤية الإخوان المسلمين للوضع السياسي الراهن بما فيه الملف الخارجي، ويرى أنهم في تحسن وتقدم على المستوى العام؛ إلا أن هذا التقدم يظل محصورًا في رؤية إحصائية مجردة تتجاهل المرجعية الأخلاقية التي يتكئ عليها مشروع الجماعة العريق.
نفهم أن الوضع السياسي في سوريا معقد على الصعيد الإقليمي والعالمي؛ فدول الخليج تريد حربًا بالوكالة فيه لإضعاف الدور الإيراني وقطع الطريق على حزب الله وتحجيم الغضب الشيعي المتنامي في الجزيرة العربية؛ والغرب يقدم رجلاً ويؤخر أخرى للندية التي يلقاها من الروسيين والصينيين الداعمين لبشار، والغصة التي تصيب الإسرائيلين المتأكدين أن ورثة بشار هم الإسلاميون وإن كانوا في ظل تفاهم مع الأمريكان تحت مظلة المجلس الوطني السوري؛ فضلاً عن الدور التركي المكبل هو الآخر بحسابات داخلية وإقليمية وإن ظل جيدًا حتى اللحظة مقارنة بالموقف العربي العام؛ أما الموقف المصري فحدث ولا حرج إذ تظل الرؤية الخارجية للدولة المصرية على ذات السنة التي رسمها حسني مبارك وأحمد أبو الغيط: عدم تدخل مصر في الشئون السورية والعكس وإن غطى فشله بغطاء الجامعة العربية الساقط، ومنطق المجموعة الدولية؛ وإن تم الاستفسار عن أسباب هذا التباطؤ قيل إن مصر تمر بمرحلة انتقالية لا تسمح لها بتقديم خطوات أكبر مما هي عليه الآن، وهذا رأي متهافت إذا قورن بالموقف الليبي والتونسي على سبيل المثال والكشف.
وقد تجلى الموقف الرسمي المصري بوضوح منذ ثلاثة أيام حينما وقف مندوب مصر في الأمم المتحدة السفير ماجد عبد الفتاح قائلا: "الأولويات بالنسبة لمهمة المبعوث الخاص إلى سوريا واضحة، الوقف الفوري لكافة الأعمال العدائية من كافة الأطراف على الأرض بدون شروط من الحكومة وأي جماعات مسلّحة والسماح بدخول المساعدات الإنسانية بدون شروط إلى المناطق المنكوبة جميعها، بما في ذلك حمص وحماه وإدلب وغيرها". ولفت إلى أنّ "المطلوب هو بدء حوار فاعل يقود لتسوية سياسية بمفاوضات بين الحكومة والمعارضة في الداخل والخارج"، مضيفاً أنّ "تزويد الأطراف بالسلاح سيساهم بزيادة الأزمة، وعلى الحكومة السورية أن لا تعتبر فشل مجلس الأمن في اعتماد مشروع القرار العربي يشكل رخصة لقتل وقمع المتظاهرين دون حساب".
وفي مؤتمر الاتحاد البرلماني العربي المنعقد في الكويت حاليًا طرح الدكتور محمد سعد الكتاتني رئيس مجلس الشعب المصري ونائب رئيس حزب الحرية والعدالة السابق الذراع السياسي للإخوان المسلمين مبادرة للتعامل مع الوضع السوري تقوم علي‏6‏ نقاط هي: "إعطاء أولوية مطلقة للوقف الفوري للعنف، وطرح حل سياسي، وفتح حوار جاد ومسئول، وتقديم الدعم للشعب السوري، وتوحيد فصائل المعارضة السورية، ورعاية الشعب السوري خارج سوريا‏".
وفي إطار الجمع بين رؤية المجلس العسكري التي طرحها عبد الفتاح أمام الأمم المتحدة، ورؤية الإخوان المسلمين التي طرحها الكتاتني نرى أن الحل الذي تميل مصر "الثورة" إليه هو سياسي صِرف.
إن رؤية الكتاتني تبدو في ظاهرها الجدة، وفي باطنها تكرار للطروحات السياسية العالمية، والأمريكية منها على وجه الخصوص؛ هي تعبير عن رؤية الجامعة العربية بألفاظ رئيس مجلس الشعب المصري الإخواني؛ وهذه الرؤية ثبت فشلها منذ اليوم الأول لإرسال المراقبين العرب لدمشق؛ فضلاً عن تجاهل الحل الواضح أمام الكل؛ ويمكن أن نصف هذه المبادرة بالاستهلاك السياسي المكرور.
الأزمة السورية تحمل في طياتها بوادر الحل؛ فلم يخوض العرب حربًا بالوكالة، ولم يتحرج المصريون من الأزمة السورية، وهناك الجيش السوري الوطني الحر الذي لا يحتاج إلا للدعم المادي والعيني لاستكمال مهامه؛ إذا كان الشعب قد لفظ الطاغية وحاشيته؛ إذا كان الشهداء بالعشرات كل يوم؛ فكيف يسكت الإخوان المسلمون أو يطرحون بديلا متماهيًا في السياسة الخارجية التقليدية المصرية وهم اليوم يملكون قوة لا بأس بها في تعديل هذه السياسة الخارجية المصرّة على عدم تسليح المعارضة السورية.
قد يكون التماهي في الحل العسكري شرًا كله هو الآخر؛ لكن التماهي في الحل السياسي المجرد استهزاء بالدماء التي سفكت وتُسفك، و تجاهل لثورة مرّ عليها عام كامل، وقد يكون الجمع بين السياسي المجرد، وعلى رأسه تفاوض الإخوان المسلمين مع إيران خاصة أن الكتاتني والقيادة الإخوانية ترى إيران دولة مهمة في المنطقة بل عامل من عوامل التوازن فيها بنص تصريحاته مع قناة الرأي الكويتية من خلال تطمينات أو إغراءات ما، والعسكري من خلال دعم المقاومة السورية وعلى رأسها الجيش السوري الحر هو الخيار الأفضل في هذه المرحلة؛ لكن تجاهل دعم المقاومة وشلال الدماء من الشعب السوري الأعزل لا يمكن أن يُقبل من جماعة شعارها "الجهاد سبيلنا"!