‏إظهار الرسائل ذات التسميات إشكالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إشكالات. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 20 أبريل 2015

قصف التراث الإسلامي!

إن التراث هو تلك الآثار المكتوبة الموروثة التي حفظها لنا التاريخ كاملة أو مبتورة، فوصلت إلينا في صورة كُتب مخطوطة أو لفائف أو كرّاسات، وليس هنا حدود معيّنة لتاريخ أي تراث كان؛ فكلُّ ما خلّفه المؤلّف بعد حياته من نتاجٍ يُعدُّ تُراثًا فكريًا[1].
لكن التراث الإسلامي تعرّض لنكبات حقيقية ومفصلية في تاريخه الطويل، إننا يمكن أن نرجع لأول مصادر القوائم "الببليوجرافيا" التي كُتبت باللغة العربية، وهو كتاب "الفهرست"[2] لمحمد بن إسحاق النديم الذي ألّفه سنة 377هـ/987م جامعًا فيه أسماء معظم الدراسات التي كُتبت في عصره في مركز العاصمة العباسية بغداد في مجالات الدراسات الشرعية واللغوية والنحوية والأدبية والصوفية والمصنفات العامة والفرق والمذاهب والعلوم البحتة، لنرى أنه أحصى 8360 كتابًا ل 2238 مؤلِّفًا حتى الثلث الأخير من القرن الرابع الهجري، لم يصلنا منها  سوى من 10 إلى 20% على الأكثر طبقا لما ذكره محقق الفرست العلامة الدكتور أيمن فؤاد سيد في سلسلة محاضرات عن "المخطوطات العربية" سمعتُها عنه في "معهد المخطوطات العربية" بالقاهرة، في نوفمبر 2013م.
وقد قاس على ذلك أساتذة المناهج التراثية والمخطوطات أن تراثنا الإسلامي في المجالات المختلفة لم يصلنا منه إلا الخُمس تقديرًا، ما يعني أن أكثر من 80% من تراثنا لا يزال مفقودًا!
رسم بالخط العربي لشكل طائر تعود إلى سنة 1177هـ/1763م
وبالرغم من ذلك فثمة بعض الإضاءات والمجهودات الجبّارة التي حاولت ولا تزال إحياء التراث الإسلامي المخطوط من خلال فهرسة المخطوطات وترميمها وحفظها في كل المكتبات والمعاهد العلمية المتخصصة في هذا المجال، ولعلّ أشهر مؤلّفين قاما بجمع مظانّ التراث العربي المخطوط في مكتبات العالم تمثّلت في "تاريخ الأدب العربي" للمستشرق الألماني كارل بروكلمان الذي حظي كتابه ولا يزال باهتمام الباحثين في الدراسات التراثية، وكتاب العلامة التركي فؤاد سزجين الذي استدرك ما فات بروكلمان في كتابه "تاريخ التراث العربي" وقد جاء في عشرة أجزاء، نال صاحبها جائزة الملك فيصل العالمية لمجهوده الجبّار في هذا الكتاب، حيث توقف للأسف الشديد عند سنة 430هـ/1038م.
نعود فنقول؛ إن المأساة التي نكبت بالتراث الإسلامي ترجع لعدة أسباب سياسية واقتصادية وعسكرية وفكرية في مجملها، وقد اتخذت أشكالاً متنوعة في التاريخ الإسلامي وفي العصر الحديث.
نهبُ التراث قديمًا
يمكن من خلال التأمل في حادثتين مهمتين في تاريخ الحضارة الإسلامية في المشرق والأندلس أن نكشفَ الأسباب التي دفعت إلى القضاء على شطر كبير من التراث الإسلامي، وهما:
1.    الصدام العسكري: الذي قام به المغول في بلاد المشرق الإسلامي مثل مرو وخوارزم، قال المؤرخ الأمريكي ول ديورانت: "كان المغول يضعون الأسرى في مقدمة جيوشهم ويخيرونهم بين قتال مواطنيهم-من أمامهم أو قتلهم من خلفهم. وفتحت مرو خيانة وأحرقت عن آخرها، ودمرت في اللهب مكتبتها التي كانت مفخرة الإسلام"[3]. فضلا عن إشراف وزيرهم نصير الدين الطوسي في بغداد على عملية نهب منظّمة لمكتبات بغداد، قال الصفدي (ت764هـ): "فابتنى بمدينة مراغة قبة ورصدًا عظيمًا واتّخذ في ذلك خزانة عظيمة فسيحة الأرجاء، وملأها من الكتب التي نهبت من بغداد والشام والجزيرة، حتى تجمع فيها زيادة على أربع مائة ألف مجلد"[4].
2.    الصدام الحضاري والديني: الذي قام به الإسبان مع التراث الأندلسي؛ فقد "أبدت السياسة الإسبانية اهتماماً خاصاً بالقضاء على تراث الأندلس الفكري، وبدأت بارتكاب فعلتها الشائنة فى سنة 1499 م أعنى لأعوام قلائل من سقوط غرناطة، فجمعت الكتب العربية، وأحرقت بأمر الكردينال خمنيس حسبما فصلنا من قبل، ولم تبق معاول التعصب والجهالة إلا على بقية صغيرة من الكتب العربية، جمعت فيما بعد من مختلف الأنحاء، وأودعت أيام فيليب الثاني في قصر الإسكوريـال على مقربة من مدريد، وحُجبت عن كل باحث ومتطلع. وفى أوائل القرن السابع عشر، وقع حادث كان سبباً في مضاعفة المجموعة العربية الإسبانية. ذلك أن السفن الإسبانية استطاعت أن تأسر مركباً مغربية لمولاى زيدان ملك المغرب كانت مشحونة بالكتب ومختلف التحف، و"من جملتها ثلاثة آلاف سِفْر من كتب الدين والأدب والفلسفة وغير ذلك"[5]. وتضع الرواية الإسبانية تاريخ هذا الحادث في سنة 1612 في عصر فيليب الثالث، وذلك حينما اشتد اضطراب العلائق بين اسبانيا والمملكة المغربية. وقد حملت هذه المجموعة النفيسة من الكتب العربية إلى اسبانيا، وأودعت قصر الإسكوريـال، إلى جانب بقية التراث الأندلسي التي كانت مودعة فيه منذ أيام فيليب الثاني. وكانت مجموعة مولاي زيدان المغربية تحتوى عدد كبير من الكتب الأندلسية التي كثر استنساخها، "اقتنائها بالمغرب، بعد سقوط غرناطة. ولبثت هذه المجموعة من المخطوطات العربية الأندلسية مودعة بمكتبة الإسكوريـال الملكية حتى أواسط القرن السابع عشر، وكانت تبلغ يومئذ عدة آلاف، وكانت أغنى وأنفس مجموعة من نوعها بإسبانيا. ولكن محنة جديدة أصابت هذه البقية الباقية من تراث الأندلس. ففي سنة 1671 شبت النار في الإسكوريـال، والتهمت معظم هذا الكنز الفريد، ولم ينقذ منه سوى ألفين، هي التي مازالت تثوى حتى اليوم في أقبية مكتبة الإسكوريـال التي يُشرف عليها الآباء الأوغسطنيون. وكانت الحكومة الإسبانية أثناء هذه العصور تحرصُ على إخفاء الآثار العربية عن كل قارىء"[6].
الغارة على التراث حديثًا
أما الغارة على التراث الإسلامي حديثًا، فاتخذت منحىً آخر، لم يكن بالاستيلاء على المخطوطات الإسلامية بالسرقة فقط كما فعل المستشرقون ولصوص المخطوطات الإسلامية من قراصنة الغرب الثقافي، وإنما بأداة أشد نكاية تمثّلت في ليّ عنق هذا التراث والهجوم عليه بلا هوادة من المدرسة العلمانية بفرعيها الليبرالي واليساري.
وفي كتابه "شهادة العصر والتاريخ" يقرر الأستاذ أنور الجندي ذلك- بعد رحلة عطاء في مجال الفكر الإسلامي بلغت خمسون عامًا - بقوله: "تكشَّفَت لي أبعاد هذه المؤامرة الخطيرة التي بدأها مخطط عنوانه (حرب الكلمة)، وذلك بعد هزيمة الغرب في الحروب الصليبية، في دعوة عريضة للعمل على إعلان حرب تقوم على تزييف مفاهيم الإسلام وتدمير قيمه؛ وذلك عن طريق التأويل والتمويه في محاولة لإخراج الإسلام من ذاتيته الخاصّة، وتميّزه المتفرد"[7].
لقد حمل لواء الهجوم على التراث الإسلامي زمرة من المستشرقين – لا نقول جل المستشرقين – الذين عكفوا بجد يُحسدون عليه على التراث الإسلامي؛ قراءة واستيعاباً وفهمًا، وسفراً مضنيًا ليكتشفوا ما فيه، ويقدّموه لأقوامهم. على أنهم قدّموا لهم "أن هؤلاء العرب المسلمين هم في الأصل قومٌ بُداةٌ جُهّال لا علم لهم كان، جياعٌ في صحراء مُجدبة، جاءهم رجل من أنفسهم فادّعى أنّه نبيٌّ مرسلٌ، ولفَّق لهم دينًا من اليهودية والنّصرانية، فصدّقوه بجهلهم واتّبعوه، ولم يلبث هؤلاء الجياع أن عاثوا بدينهم هذا في الأرض يفتحونها بسيوفهم، حتى كان ما كان، ودان لهم من غوغاء الأمم من دان، وقامت لهم في الأرض بعد قليل ثقافةٌ وحضارةٌ جُلّها مسلوب من ثقافات الأمم السالفة كالفُرس والهند واليونان وغيرهم، حتّى لغتهم كلُّها مسلوبة وعالةٌ على العبرية والسُّريانية والآرامية والفارسية ..."[8]. ويستطرد العلامة محمود شاكر رحمه الله في كشف طرائق هجوم هؤلاء المستشرقين على التراث الإسلامي والإسلام ذاته بخبرته المعهودة في المجال التراثي والاستشراقي على السواء.
لكن هؤلاء المستشرقين الكبار فرّخوا لنا من أبناء جلدتنا مجموعات سارت على دربهم في النيل من التراث بلا هوادة، وساعدهم في هجومهم ذاك، تملّكهم لزمام وسائل الإعلام، ومنابر الثقافة في البلدان العربية والإسلامية، فصار ضجيجهم أقوى، وطنينهم يُشوّش على الناس فهمهم، ويخلخل لديهم الثقة في تراثهم.
إننا يمكن أن نُلخّص مظاهر الهجوم على التراث الإسلامي في العصر الحديث من خلال ثلاثة مظاهر جلية، وهي:
1.    سرقة الاحتلال الغربي وأذرعه من المبشّرين والمستشرقين للتراث الإسلامي من مخطوطات وتحف وذخائر[9].
2.    الجهل بالتراث الإسلامي روحًا وفكرًا ومصطلحاتٍ بل وتحريفه من قِبل كثير من المستشرقين[10].  
3.    العداء للتراث الإسلامي من العلمانيين بكافة أطيافهم، إما بالتأويل الحداثي المناقض لبنية التراث وأهدافه، أو بالهجوم المباشر والنيل منه بالسخرية والاستهزاء[11].
لقد كان للعوامل السياسية والمذهبية والعسكرية والطبيعية، والصدام الحضاري بين المسلمين والمغول والمسلمين والصليبيين والمسلمين والبيزنطيين، فضلاً عن سرقة المخطوطات الإسلامية في عصر الغفلة الذي انتاب الأمة المسلمة في القرون الأربعة الأخيرة دوره في عمليه قصف التراث الإسلامي، ولم يخرج الاحتلال من بلادنا إلا وقد زرع مجموعات "وظيفية" استكملت مهمة القصف والنيل من التراث الإسلامي، إما جهلاً بالتراث أو عداءً له، ولكن بالرغم من هذه المحاولات العاتية المستمرة منذ قرنين على الأقل، فإن أجيالاً جديدة من الباحثين المسلمين، وطلبة العلم المجدين صار لهم الفضل في الحد من هذا العدوان، بل وتفكيكه، على أن هؤلاء المدافعين في حاجة إلى الدعم المادي والمعنوي من الحكومات والأفراد.

نُشر في مجلة الوعي الإسلامي - عدد رجب 1436هـ / إبريل 2015م



[1] عبد المجيد دياب: تحقيق التراث العربي؛ منهجه وتطوره ص12. دار المعارف – القاهرة.
[2] النديم: الفهرست، تحقيق أيمن فؤاد سيد، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي – لندن، 2009م.
[3] ول ديورانت: قصة الحضارة، ترجمة زكي نجيب محمود 13/378. دار الجيل – بيروت، 1988م.
[4] الصفدي: الوافي بالوفيات، تحقيق أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى 1/147. دار إحياء التراث – بيروت، 2000م.
[5] السلاوي: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، تحقيق جعفر الناصري ومحمد الناصري 6/70. دار الكتاب – الدار البيضاء.
[6] محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس 5/504. مكتبة الخانجي، الطبعة الرابعة – القاهرة، 1997م.
[7] أنور الجندي: شهادة العصر والتاريخ ص3. دار المنارة، الطبعة الأولى – جدة، 1993م.
[8] محمود محمد شاكر: المُتنبى "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" ص59، 60. دار المدني – جدّة، 1987م.
[9] مصطفى السباعي: الاستشراق والمستشرقون؛ مالهم وما عليهم ص19. دار الورّاق للنشر والتوزيع.
[10] عبد العظيم الديب: المستشرقون والتراث ص26 وما بعدها. دار الوفاء للطباعة والنشر، الطبعة الثانية -  المنصورة، 1992م.
[11] إبراهيم بن عمر السكران: مآلات الخطاب المدني ص129 وما بعدها. دار الوعي للنشر والتوزيع – الرياض، 1435م. وللمؤلّف نفسه: التأويل الحداثي للتراث؛ التقنيات والاستمدادات ص133 وما بعدها. دار الحضارة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى – الرياض، 2014م.

الخميس، 13 مارس 2014

غلو العلمانية



كلما ذُكر الغلو والتعصب، كلما جاءت إلى الأذهان صورة الإسلامي طويل اللحية، متجهم الوجه، ضيق الأفق، الناقم على مجتمعه وناسه، والحق أن هذه الصورة الذهنية الشائهة لعبت وسائل الإعلام والنشر العلمانية أكبر الأدوار في ترسيخها في الثلاثين عاًما الأخيرة، فلم تخلُ بلد من البلدان الإسلامية والعربية من سطوة هذه الصورة الشائهة، وهي إن كان لها صدىً على الأرض وفي الواقع، إلا أنه لا يمكن أن يُركز عليه بهذه الصورة التي لم تقل غلوًا وتعصبًا هي الأخرى، فيؤخذ الصالح بالطالح حتى كاد أن يصبح الإسلامُ ذاته مرادفًا للإرهاب والعنف والغلو والتعصب في بلده وبين أهله وناسه!
علم الاجتماع والغلو
يهتم علم الاجتماع النفسي بدراسة الاتجاهات والعلاقات داخل المجتمع، ويندرج موضوع "الاتجاهات التعصبية" في لب حقله المعرفي والدراسي؛ فالاتجاهات التعصبية السلبية على وجه التحديد كأحد شكلي الاتجاهات بين الجماعات (التعصب الإيجابي والتعصب السلبي) لها قدر كبير من الأهمية لما يترتب عليها من آثار سلبية على جوانب عديدة تشمل النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في سائر المجتمعات الإنسانية، وتنعكس هذه الآثار السلبية على المجتمعات في عمومها، مثلما تعود على الأفراد تمامًا، وهناك العديد من المجتمعات التي عانت وما زالت تعاني، فالتعصب إذا وصل إلى درجة معينة من الحدة يُصبح عاملاً من عوامل تقويض وحدة المجتمع، وينُم عن اضطراب في ميزان الصحة النفسية الاجتماعية مما يُفسد المجتمع ويُهدد كيانه[1].
وأحد الأسباب الجوهرية التي تقود الفرد داخل المجتمع إلى التعصب الإيجابي أو السلبي إنما يعود إلى الأفكار والقيم التي يعتنقها الفرد، أو التي تسود في المجتمع فينشأ عليها، فقد أوضحت "بعض الدراسات أن التعصب العنصري لدى الأطفال لم يكن دالاً على خبراتهم في موضوعات التعصب، بقدر ما كان دلاً على ما يسود ثقافتهم من قيم معينة. بمعنى آخر؛ فإن اتجاه الطفل الأبيض نحو الطفل الأسود لم يكن انعكاسًا لتعامله مع الأسود بقدر ما كان انعكاسًا لتعامل الطفل الأبيض مع الاتجاهات السائدة عن هذا الطفل الأسود"[2].
أسباب الغلو العلماني
إن العلمانية ما نشأت أصلا إلا من الصراع المسيحي في القرون الأوربية الوسطي، والقيم والفلسفة التي كانت قد انتشرت وترسّخت حول الدين المسيحي وسطوة رجال الكنيسة وتحكمهم في الحياة والأفكار والناس.
يقول الدكتور محمد عمارة: "لقد ظلت المسيحية منذ نشأتها وعبر قرون طويلة من حياتها في المجتمعات الأوربية دينًا لا دولة، وشريعة محبة لا تقدم للمجتمع مرجعية قانونية ولا نظامًا للحكم، ورسالة مكرسة لخلاص الروح، وتدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، وعبر القرون حكمت العلاقة بين الكنيسة والدولة نظرية "السيفين" أي السيف الروحي أو السلطة الدينية للكنيسة، والسيف الزمني أو السلطة المدنية للدولة؛ فلما حدث وتجاوزت الكنيسة حدود رسالة الروح ومملكة السماء، فاغتصبت السلطة الزمنية أيضًا، وأضفت على الدنيا قداسة الدين، فدخلت بالمجتمعات الأوربية مرحلة الجمود والانحطاط وعصورها المظلمة، وفي مواجهة هذا الانحطاط الحضاري، كانت "الثورة العلمانية" التي فجرتها فلسفة التنوير الأوربي، والتي أقامت قطيعة معرفية مع فلسفة الحكم الكهنوتي، وأسست النزعة العلمانية الحديثة على التراث الأوربي القديم، التي أحلَّت العقل والتجربة محل الدين"[3].
ونظرًا لهذه الملابسات التاريخية التي نشأت في ظلها العلمانية، فقد كان من أخطر مبادئها وأهدافها نزع القيمة المرجعية عن تنظيم الحياة البشرية والروحية، وقد تراوحت العلمانية بين عداء الدين بالكلية أو حجره في زاوية ضيقة من زوايا الإنسان، وهي بهذا المنظور لا شك أنها تعادي الإسلام والإسلاميين بكل قوتها، ولم تلق بالاً للفارق الجوهري بين الإسلام والمسيحية.
وقد استمر الصدام المباشر بين العلمانية والإسلام عبر أجيال مختلفة من المؤلفين والمفكرين ممن نالوا أعلى الشهادات الجامعية من الجامعات الأوربية، ولم يفتأ هذا الصراع أن يهدأ منذ مائة عام على الأقل حتى اليوم.
لكن من اللافت أن الخطاب العلماني "المدني" المقدم للجماهير في الأعوام الأخيرة قد شهد تغيرًا ملحوظًا في الشكل دونما تغير في المضمون والغلو، فقد "اكتنفته أربعة ظروف رئيسية شكلت أضلاع الوعاء الجوهري لتناميه، ألا وهي: مناخ سبتمبر، والضخ الفرنكفوني، وحفاوة وسائل الإعلام، ورد الفعل تجاه البغي الإلكتروني، فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تعرّض الاتجاه الإسلامي إلى حالة محاكمة عالمية شرسة حدث من انسيابه ودويه وتراجعت معها شعبيته بشكل ملموس، وفي ظل هذا الفراغ الجزئي الذي خلفه انكماش الحالة الإسلامية برزت أبحاث المدرسة الفرانكفونية/المغاربية كإجابة جديدة نجحت في استغلال الظرف الأمني وحققت اكتساحًا استثنائيا في فترة قصيرة"[4]. فقد ابتعدت هذه المدرسة العلمانية بخطابها التقليدي عن الصدام المباشر للشريعة إلى إعادة تفسير التراث الإسلامي بأدواتها هي ووفق هواها ومنطلقاتها، فلبّست على كثير من المثقفين مضامينها وأفكارها.
نموذج من الغلو العلماني
يُعد المستشار محمد سعيد العشماوي من أبرز منظري العلمانية في النصف قرن الأخير في مصر والعالم العربي، وقد شهدت كتاباته هجومًا شرسًا وحادّاً وعنيفًا على الإسلام وتراثه وفكره وصحوته، فقد وقف في أواخر السبعينيات أمام مشروع تقنين "الشريعة" الإسلامية والعمل به، واعتبر القانون المصري الوضعي القائم في كثير من أسسه ومبادئه على القوانين والمبادئ الفرنسية أنه لا يختلف كثيرًا عن الشريعة الإسلامية.
بل يرى العشماوي أن عصر الرسالة والخلافة الراشدة قد دخلت فيه يد الاختلاف والتغاير والتباين والتناقض، وهو قول يصيب ذات الإسلام في عقيدته وشريعته، ويرجع سبب هذا التبدل والتغير إلى "اتجاه عسكري" للعهد النبوي، فيقول: "ويرى بعض المؤرخين أن الإسلام تشكَّل في صيغة حربية عندما بدأت أول سرية للمسلمين على قوافل تجارة قريش فيما بين الشام ومكة، ويرى آخرون أن الاتجاه العسكري في الإسلام بدأ منذ غزوة خيبر". وهو لا يقنع بطعن الإسلام – بادعاء تحوله إلى دين عسكري وصيغة حربية – بفعل الرسول وصحابته، وإنما يُدافع عن يهود خيبر، ويعيب على الرسول r والمسلمين قتالهم، فيقول: "ذلك أن أهل خيبر لم يكونوا من المشركين أهل مكة الذين عادوا النبي والمؤمنين وأخرجوهم من ديارهم، كما أن أهل خيبر لم يكونوا قد أساءوا إلى النبي أو إلى الإسلام بشيء". وحتى يُوهم القارئ أن هذا الاتهام ليس من عنده وأنه رأي "لبعض المؤرخين" وأنه على العكس منهم، لا يتفق معهم فيه، أضاف إضافات توجه المطاعن إلى الوحي الإلهي ذاته، وليس فقط إلى الرسول r والمؤمنين[5]. وقد أحسن الدكتور محمد عمارة إذ فكك فكر العشماوي المتهافت في كتابه المهم "سقوط الغلو العلماني" ووقف معه بتؤدة وهدوء.
ستظل العلمانية على غلوها وتعصّبها، شأنها شأن كل الفرق الفكرية التي ناهضت الإسلام وتراثه في القديم والحديث، لكن إذا كان الإسلام قد ثبت أمام الأفكار المناهضة له قديما وعبر تاريخه الطويل، فهو سيثبت بلا ريب أمام فكر العلمانية المتهافت في واقعنا المعاصر، ليس لقوة بنيان الإسلام ونُظمه وفكره فقط، بل لأن في العلمانية آفة فنائها!
*نشر في مجلة الوعي الإسلامي: عدد شهر جمادى الأولى 1435هـ / مارس 2014



[1] معتز سيد عبد الله: الاتجاهات التعصبية ص13. منشورات سلسلة عالم المعرفة – الكويت، مايو 1989م، إصدار رقم 137.
[2] محيي الدين حسين: القيم الخاصة لدى المبدعين ص54، 55 نقلاً عن الاتجاهات التعصبية. دار المعارف – القاهرة، 1981م.
[3] د محمد عمارة: العلمانية بين الغرب والإسلام ص6، 7. دار الوفاء للطباعة والنشر، الطبعة الأولى – المنصورة، 1996م.
[4] إبراهيم السكران: مآلات الخطاب المدني ص12، 13.
[5] د محمد عمارة: سقوط الغلو العلماني ص17، 18. دار الشروق، الطبعة الثانية – القاهرة، 2002م.

الأربعاء، 12 ديسمبر 2012

مصر.. إسلامية أم مدنية!



في السيمنار الذي عُقد بجامعة جنيف في خريف سنة 1999م اتفق الحاضرون على ضرورة دراسة العولمة من الوجهة العملية لها، وهي ميزة قلما قام باحثون جادون بها، إذ انصبت معظم دراسات العولمة على نقد/إضافة أفكار "نظرية" جديدة في هذا المسار، وقد كان موضوع النتائج منصبًا على دراسة قطاعات الدولة المختلفة في إطار العولمة وتحدياتها.
ما يهمنا في هذه الدراسة التي نشرها المركز القومي للترجمة في مصر لاحقًا تحت عنوان "دول وعولمة .. استراتيجيات وأدوار" في العام 2007 أن الدراسة تناولت فكرة "الحكم الرشيد/الصالح" من منظور العولمة الرامي إلى إعادة تعريف دور الدولة ومؤسساتها وفقًا لخدمة مصالح العولمة الاقتصادية في المقام الأول؛ والحق أن مفهوم الحكم الصالح لا يوحي بمدلول واحد – كما تبين الدراسة – وإنما بصفة عامة يصف العمليات والمناهج التي من خلالها يسعى عدد من الفاعلين المختلفين؛ مثل المؤسسات السياسية والخاصة والمجتمع المدني ونشطاء السوق إلى حل المشكلات التي تتمخّض عن مواجهة المصالح المتعارضة.
وهذا يعني أن الصبغة الشخصية والوطنية تسعى العولمة بصورة دائمة إلى نزعها، بل إلى تفريغ العالم من فاعلية الاجتماعيين وأجبرته كدول وأنظمة على التفكير كمؤسسات ذات مسئولية محددة، واستخدم الشرطي، شُرطي العولمة سلاحه الفتاك عن طريق وسائل الإعلام لتنميط رأي الناس، والدفع بالأكاذيب باسم الحرية.
***
كان لابد من الاستهلال بهذه المقدمة للاعتماد عليها في تفسير ما يحدث في مصر، الأمر ببساطة بالإضافة إلى التصارع الأيديولوجي العقدي و السياسي، يتضمّن بصورة واسعة صراع المصالح.
الإشكالية أن الفاعلين الاجتماعيين في مصر، أو ما سموا طويلاً بالهامش/الناس، أصبح لهم بعد ثورة يناير دور أساسي في إعادة تشكيل السياسة العامة للمجال المحلي، وأصرّ هذا الهامش بعد طول معاناة مع الدولة الحديثة وزيفها أن يصدّر الإسلاميين بالنيابة عنه للدفاع عن حقوقه التي اغتصبت طويلاً.
إذا كانت القوى الثلاث التي تحرّك أي مجتمع هي قوة السلاح وقوة المال وقوة الإرادة الشعبية، فإن قوة الإرادة الشعبية تغلب قوة السلاح والمال إن ظلت يقظة لا يؤثّر فيها تنميط الإعلام الموجّه لخدمة العلمانية وأسيادها، لكن سرعان ما تغلب قوة السلاح وممثلوها إن لم ترض بالشرعية الجديدة بديلاً، خاصة إذا خفت دور الهامش الذي لا تظهر فاعليته السياسية في مسار التاريخ إلا قليلا، وهنا تلجأ القوة المالية إلى الأقوى بطبيعة الحال.
الليبراليون واليساريون في مصر يشكلون بوتقة خصبة لقوى المال والسلاح، قوى المال من الفلول وأصحاب المصالح الفاسدة المسيطرون على جزء واسع من الاقتصاد فضلاً عن الإعلام كله تقريبًا، والسلاح من العسكر الذي قد يرى في وصول مشروع إسلامي يضاد في أعماقه منطق العلمانية والدولة الحديثة ورؤيته البديلة لطبيعة العقيدة الفكرية للجيش.
إذا غاب أهم فاعل يقصم ظهر العلمانية أو غيّب وهو الشعب الغارق مع مشكلاته الخدمية والحاجية، فتصارع الإسلاميين العاقدين العزم على ألا يرجعوا مرة أخرى إلى المعتقلات وتمثيل دور ردة الفعل، والجيش المسيطر الوحيد على السلاح، وأصحاب المصالح الفاسدة من رجالات العهد البائد المتسرولين بسروال العلمانية واليسارية أمر وارد بلا شك.
لقد أثبت منطق التوافق فشله في أوقات المفاصلة، بل أثبت أن الحسم في تصفية مصالح النظام البائد، وإعادة صياغة بنية الدولة المصرية بعد الثورة خاصة الجهاز الأمني والإعلامي والقضائي أمرٌ غُيّب بقصد ممن فهموا معادلة الواقع بصورة عبثية خاطئة وهم الإسلاميون بطبيعة الحال.
لكن فهم الإسلاميون اللعبة بعد أن كشف الجميع وجهه الصريح، وسرعان ما قام تحالف بينهم وبين بعضهم، لمواجهة قوى المال الخادم المطيع لأهداف العلمانية بطبيعة الحال.
نحن الآن أمام عدة سيناريوهات إذا تأزم الوضع الحالي:
1-              سيناريو الثورة الرومانية الفاشلة وجمهوريات الموز ممن ذاقوا ويلات الانقلابات العسكرية، وهو انقلاب قد يساعد عليه التصعيد المادي الواضح من الفريق العلماني وهذا مستبعد.
2-              سيناريو الجزائر والدخول في فوضى دامية تنزع الإسلاميين من الحكم وهذا مستبعد لطبيعة الجيش والمجتمع المصري ورسوخ قدم الإسلاميين في مصر.
3-               سيناريو باكستان الرامي إلى اتفاق بين الإسلاميين والجيش والقضاء على عبث العلمانيين وممارساتهم التصعيدية وهذا قريب يؤيده مشروع الدستور.
4-              سيناريو ثورة إسلامية على المسار الإيراني لن ترضى لا بالحكم العسكري أو الحكم العلماني إذا اتفق هذان الطرفان على إقصاء الإسلاميين وهذا وارد بطبيعة الحال.
***
إن مصالح العلمانية لن ترضى بالفوضى في مصر، وهي تسعى – كما يسعى الإسلاميون الثوريون – إلى الحسم، والحسم له خيارات أقواها التفاهم مع الإخوان المسلمين باعتبار أن الرئيس منهم، في ظل اطمئنان العسكري على وضعه في الدستور الجديد.
لكن كما عودنا الأمريكان دائمًا فهم مع كل الأطراف، وضد كل الأطراف في ذات الوقت، وميلهم في نهاية المطاف إلى من سيؤمن المصالح العلمانية باعتبارها نسقًا عامًا يجعل الدولة الوطنية دائرة في فلك العلمانية بطبيعة الحال، أما إذا شعرت العلمانية أن مصر تتجه لأسلمة الدولة، وإعادة صياغة بنيتها من جديد، فهي لن ترضى إلا بحسم من نوع آخر .. المعركة ستطول، ويبدو أن مصر في إطار المحيط الإقليمي وفي دول الثورات العربية  بل والدول المحيطة بمصر ذاتها يتجه على المدى البعيد إلى:
1- تصالح التيار الإسلامي مع الدولة الحديثة وعلى رأسها حاميها الأمين العسكر لفترة ما.
2- فشل الإسلاميون "الوسطيون/المعتدلون" في عملية أسلمة الدولة وهو ما يؤدي إلى خلاف فكري/ سياسي مع الإسلاميين الأصوليين.
3- سيطرة الجبهات "الإسلامية التجديدية" بمعناها الأصولي على المشهد العام جراء تنافس سياسي أو بسبب خلاف مع "الإسلاميين المعتدلين"، والبدء في عملية تفكيك أو إعادة صياغة بنية الدولة الحديثة وفق الرؤية المجردة للإسلام.
يبدو أن مصر تتخلّص في هذه اللحظات من الحركات والفصائل "العلمانية" دون التخلّص من العلمانية ذاتها التي سيكون الجيش على رأس الراعين لمصالحها فيما يبدو، وهي حركات ثبت فشلها في طوال تاريخها الحديث سواء في التفاعل مع الجماهير، أو حتى في احترام إرادتهم.


 

الثلاثاء، 26 يونيو 2012

قصة الحرب الإلكترونية

يكفي أن تضع في محرك البحث "جوجل" مصطلح "الحرب الإلكترونية" لتجد أمامك "الويكيبديا" تُعرّف هذا المصطلح الجديد بما يلي: "هو استعمال الطّيف الكهرومغناطيسي لمنع استعمال هذه الوسيلة من قبل الخصم، في حين يتم استخدامها من جانب القوات الصديقة بأكثر الطرق فعالية. للحرب الإلكترونية ثلاثة عناصر رئيسية: الدعم الإلكتروني، والهجوم الإلكتروني، والحماية الإلكترونية"[1]؛ ولا تزيد على أكثر من ذلك.
على أن ما ذكره عبد الكريم المحسن الباحث في الشئون الإستراتيجية والحربية يجلي لنا بوضوح تعريف هذا المصطلح بقوله: "هو مجموعة الإجراءات التي تُنفذ بهدف الاستطلاع الإلكتروني للنظم والوسائل الإلكترونية المعادية، وإخلال عمل هذه النظم والوسائل الإلكترونية، ومقاومة الاستطلاع الإلكتروني المعادي، وتحقيق استقرار عمل النظم الإلكترونية الصديقة تحت ظروف استخدام العدو أعمال الاستطلاع، والإعاقة الإلكترونية"[2]. وهو يضيف بعدًا أكثر عمقًا من مجرد التصارع في إطار الفضاء اللاسلكي أو المجال الكهرومغناطيسي.
النشأة والتطور منذ بداية القرن العشرين
ولمعرفة أصل هذا المصطلح علينا أن نبحث في تاريخ نشأته الأولى؛ وهو ما ظهر قبل الحرب العالمية الأولى؛ إذ بدأت الاتصالات بين أرجاء العالم المختلفة باستخدام الموصّلات السلكية من طريق جهاز البرق الصوتي "المورس" سنة 1837م، ومنذ اندلاع الحرب الأهلية في الولايات المتحدة في إبريل سنة 1861م كانت خطوط التلغراف هدفًا مهمًا للقوات المتحاربة؛ إذ كان عمال الإشارة يتداخلون على خطوط الموصلات السلكية من طريق توصيل هاتف على التوازي مع كل خط من هذه الخطوط؛ للتنصت على هذه المحادثات، ولهذا السبب كان كل جانب يقطع الموصّلات الخطية عند عدم الحاجة إليها؛ حتى لا يتدخل عليها الطرف الآخر؛ ثم كان بداية الاتصال اللاسلكي الحقيقي في عام 1888م على يد الألماني هرتز، وفي منتصف عام 1897م استطاع المهندس والمخترع الإيطالي ماركوني تطوير جهاز لاسلكي يناسب الاستخدام في البحر؛ وكان من الطبيعي أن تظهر الشوشرة على الاتصالات اللاسلكية لتزايد الاستخدام في مساحة محددة مما يعني التداخل البيني للموجات الكهرومغناطيسية عند إشعاعها بكثافة عالية في تلك المساحة المحددة، ومن هنا بدأ التدريب على العمل في ظل الشوشرة نتيجة الاستخدام اللاسلكي المكثف؛ ثم بدأ بعد ذلك الاستخدام المتعمد للشوشرة لإعاقة الاتصالات اللاسلكية بين الوحدات العسكرية المعادية؛ وذلك لإرباكها وشل سيطرتها على قواتها وأسلحتها وتجلت هذه الحرب منذ الحرب اليابانية الروسية في بداية القرن العشرين، وبدأت في الانتشار في الحرب العالمية الأولى (1914- 1918م)[3].
ومع بداية الحرب العالمية الأولى في أغسطس 1914م قبل أن تدخل بريطانيا الحرب إلى جانب بلجيكا وفرنسا ضد ألمانيا والنمسا مرت سفينتان حربيتان بريطانيتان بجوار السفن الألمانية في بحر "المانش"ولم تحاولا الاشتباك مع السفن الألمانية إلا أن أدميرال الأسطول الألماني كشف أن هاتين السفينتين البريطانيتين نفذتا عمليات التنصت اللاسلكي على الاتصالات اللاسلكية للسفن الألمانية وذلك عندما حاولتا التشويش على الاتصالات اللاسلكية الألمانية بهدف اختبار كفاءة أعمال الحرب الالكترونية لديها في التداخل والشوشرة اللاسلكية على الشبكات اللاسلكية الألمانية، وأثناء العمليات البحرية التالية في الحرب العالمية الأولى كان التشويش على الاتصالات اللاسلكية يستخدم من حين إلى آخر ولكن وجد أنه لكي تُنفذ الشوشرة على أي اتصال لاسلكي كان لابد أن تسبق عملية التنصت الأمر الذي تبين منه في أحيان كثيرة أهمية المعلومات التي يتبادلها الجانب المعادي ومعرفة نواياه المستقبلية. من هنا ظهرت أهمية أعمال الاستطلاع اللاسلكي على شبكات العدو اللاسلكية بهدف الحصول على المعلومات[4].
اختراع الرادار وأثره في الحرب الإلكترونية
وفي الثلاثينات من القرن العشرين تطورت أجهزة الإرسال بدرجة كبيره وأُنتجت أجهزة استقبال ذات حساسية عالية وهوائيات دقيقه التوجيه وهو ما أدى إلى التفكير في التداخل اللاسلكي لإفشال أعمال التوجيه، وفي هذا الوقت بدأت التطبيقات العملية للظواهر المكتشفة في عام 1900م ، كصدى الصوت إذ كان عندما يرفع الصوت ويسمع صدى في الإجابة يعرف أن الصوت وصل حائطًا بعيدًا أو حاجزًا ولابد انه انعكس من المكان نفسه وهكذا بدأ تطبيق تحديد المكان لأي جسم متحرك مثل سفينة في البحر إذ يمكن تحديد مساحة تحركها في زمن محدد وحساب سرعتها؛ ففي البداية يحدد مكان الهدف المتحرك وتوقيته في موقع ما ثم بعد فتره زمنيه محدده يعاد تحديد مكان الهدف وتوقيته في موقع أخر، وبحساب المسافة التي تحركها الهدف بين الموقعين الأول والثاني والزمن الذي استغرقه في قطع هذه المسافة تُحدد سُرعة الهدف؛ وقد طبق العاملون في معمل أبحاث البحرية الأمريكية ذلك خلال تجارب اكتشاف الرادار عام 1922م وفي العام 1934م كان جهاز الرادار الأمريكي قادرًا على اكتشاف الطائرات على مسافة 50 ميلاً وفي هذه الفترة كان هناك عمل مشابه يُنفذ في بريطانيا وألمانيا[5].
وفي الوقت نفسه، كانت الإجراءات المضادة للرادارات تسير سيراً حسناً، مثل مستقبِل التحذير الراداري وهو جهاز استقبال راداري يُركب في الطائرة أو في القطعة البحرية، يمكنه استقبال نبضات الرادار المعادي، فيعطي إنذاراً لقائد الطائرة أو للقطع البحرية أنه أصبح مكَتَشفاً رادارياً، وعليه تنفيذ التدابير الإلكترونية لتجنب هذا الكشف.
الانترنت تطور نوعي أم حرب مستقبلية!
لكن أعظم اكتشاف ظهر في مسار الحرب الإلكترونية كان ظهور "الإنترنت" وانتشاره في العقد الأخير من القرن الماضي؛ فلقد توقع الخبراء في مجال الإنترنت أن أي اعتداء عسكري أو إرهابي قد يحدث ضد الولايات المتحدة الأمريكية في حال وقوعه، لن يكون باستخدام طائرات أو متفجرات كما حدث في 11 سبتمبر أو حتى انتهاك للحدود الأمريكية، بل سيكون هجوما في الفضاء الإلكتروني يشنه قراصنة الكمبيوتر، بحيث يكون قادرا على تدمير الاقتصاد والبنية التحتية الأمريكية بنفس القوة التي قد يتسبب بها تفجير مدمر[6].
ورغم صعوبة هذا التصور للوهلة الأولى إلا أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل في استخدام هذا السلاح للهجوم والحماية وفي نفس الوقت يعكف الخبراء في وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" حاليا على تطوير قدرات الإنترنت لشن هجوم على أنظمة الحاسبات التابعة للدول الأخرى، وذكرت صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" أن بعض المسئولين العسكريين رفيعي المستوى يدفعون البنتاجون للمضي في الهجوم الإلكتروني عبر تطوير قدرات الإنترنت لشن هجوم على أنظمة الدول الأخرى الإلكترونية بدلا من التركيز على الدفاع عن الأمن الإلكتروني الأمريكي فقط.
وحسب اقتراحات العسكريين الذين أثاروا جدلا واسعا سيكتسب العسكريون معرفة طريقة الاستيلاء على طائرات العدو من دون طيار وشل قدرة طائرات العدو الحربية أثناء القتال، وقطع الكهرباء في وقت محدد عن بعض المواقع الإستراتيجية.  ولكن الإستراتيجية العسكرية الأمريكية لعمليات الإنترنت التي رفع عنها السرية العام الماضي، أثارت نقاشاً في البنتاجون مجددا وأعطت الجيش الضوء الأخضر للدفع نحو توسيع القدرات الإلكترونية. ونقلت الصحيفة عن وزير القوات الجوية السابق مايكل وين قوله: "مع مرور الوقت سيكون عالم الإنترنت جزءا هاما من تكتيكات الحروب"[7].
القرصنة الإلكترونية حرب يومية!
لم تعد عمليات القرصنة الإلكترونية مجرد عمليات عشوائية تتم بدافع الفضول، بل أصبحت جريمة منظمة ومتخصصة تعتمد على أحدث الوسائل والبرامج للدخول إلى الأنظمة الإلكترونية وسرقة محتوياتها مثلما حدث في الولايات المتحدة عندما تعطلت أجهزة الكمبيوتر بمكتب وزير الدفاع الأمريكي، والأعوام القادمة ستشهد مزيدًا من عمليات القرصنة الإلكترونية التي تمهد لاشتعال سباق حربي إلكتروني حول من يتزعم هذا المجال ومن يكون الرائد فيه، وكل المعطيات تشير إلى بداية حرب باردة إلكترونية بين الولايات المتحدة والصين، بل إن وزير الدفاع الأمريكي قد صرّح يوم 7 مايو الحالي بضرورة تفادي "حرب عبر الإنترنت" بين الصين وأمريكا!
ولذلك كانت الصين قد أعلنت عن إنشاء "الجيش الأزرق" وهى إدارة خاصة بجيش التحرير الشعبي الصيني، من أجل حماية الفضاء الإلكتروني الخاص بالجيش على شبكة الإنترنت، والعمل على زيارة مستوى أمن شبكة القوات المسلحة الصينية اهتماما بالغا وأصبحت موضوعا ساخنا للمناقشة بين المشجعين والخبرات العسكريين، ودخل هذا السلاح الجديد إلى كل دول العالم تقريبا، واستخدامه بالقطع متفاوت من حيث التقدم والتأخر بحسب تقدم وتأخر الدولة الراعية[8].
هذا باختصار مقال طاف مع "قصة الحرب الإلكترونية" منذ نشأتها وتاريخ تطورها وإلى اليوم، وإنه لمن دواعي الأسى ألا يقارن معطى الدول العربية والإسلامية في هذا المجال منذ النشأة وإلى اليوم مع تلك الدول اللهم إلا بأقل القليل، بل الأصل الاعتماد المفرط على ما يُصدّره العالم التقني المتقدم إلينا!
نُشر في مجلة الوعي الإسلامي الكويتية عدد شعبان 1433هـ


[1] موقع ويكيبديا، مادة حرب إلكترونية على الرابط: حرب_إلكترونية/ ar.wikipedia.org/wiki
[2] عبد الكريم صالح المحسن: ساحة المعركة العظمى التالية: الفضاء الإلكتروني، جريدة دنيا الرأي العراقية بتاريخ 12/1/2012م.
[3] موسوعة المقاتل العسكرية الإلكترونية على الرابط: http://www.moqatel.com
[4] مقال بعنوان "مفهوم الحرب الإلكترونية"، موقع المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني، على الرابط: www.accr.co/?p=7988
[5] موقع ويكيبديا: مادة رادار، الرابط: رادار/ ar.wikipedia.org/wiki
[6] موسوعة المعرفة، مادة "حرب الإنترنت" على الرابط: www.marefa.org/index.php
[7] منتدى الجيش العربي على الرابط: http://www.arabic-military.com
[8] موقع اليوم السابع المصري الإخباري، تحقيق بعنوان "الصين تستحدث الجيش الأزرق لحماية شبكتها من القرصنة الإلكترونية"، بتاريخ 26/5/2011م.

الثلاثاء، 5 يونيو 2012

قبل أن يُقال يا ثورة ضحكت من جهلها الأمم!


يقف ذلك الغربي البعيد مندهشًا من هذه الشعوب العربية التي تواتيها فرصة التحرر الوطني من نير الاستبداد والاستعباد الخارجي والداخلي ثم تتوه عن وجهتها وغايتها بسذاجة وخفة بالغتين، ثم يقول: ما هذه الشعوب التي تثور على النظام القديم ثم تتعبها الثورة ومسارها فتسمح لذات النظام أن يعيد قيده وجبروته من جديد؟!
سؤال يبدو في ظاهره التهكم والسخرية من مقدار الجهالة التي نرسخها في أذهان الآخرين عن أنفسنا، لكنه في أعماقه ذبح لكل وطني تسقط هذه الكلمات على نفسه سقوطًا أعظم من كرابيج الطغيان وزنازينهم.
لا إنسانية دون كرامة، هي المعادلة بل السنة الإلهية التي خلدها القرآن: "ولقد كرمنا بني آدم". ومهما قيل عن تاريخ الحركات الإسلامية الإصلاحية عبر مسيرة التاريخ الإسلامي من تقييمات تجعلها في مصاف المجتمعات أو في سوادها، فإنه تبقى الحقيقة الخالدة التي سطرها الكواكبي في عبقريته "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" خلاصة قوية ومباشرة لجدلية الإصلاح في ظل الاستبداد عبر مسيرة التاريخ؛ حيث يقول رحمه الله: "الاستبداد أعظم بلاء، يتعجَّل الله به الانتقام من عباده الخاملين، ولا يرفعه عنهم حتَّى يتوبوا توبة الأنفة. نعم؛ الاستبداد أعظم بلاء؛ لأنَّه وباء دائم بالفتن وجَدْبٌ مستمرٌّ بتعطيل الأعمال، وحريقٌ متواصلٌ بالسَّلب والغصْب، وسيْلٌ جارفٌ للعمران، وخوفٌ يقطع القلوب، وظلامٌ يعمي الأبصار، وألمٌ لا يفتر، وصائلٌ لا يرحم، وقصة سوء لا تنتهي"[1].
ولطالما أثبت التاريخ صحة استنتاج الكواكبي في عبقريته الآنفة، إن الوقت الذي تنازل فيه المسلمون عن مشروعهم المادي والمعنوي، أي الدولة والدعوة صاروا في مهب رياح الأمم، والأمثلة في بقاع العالم من شرقه إلى غربه لا تفتر عن تذكيرنا بهذا الوباء المتجدد، أي إسلام وإصلاح وحرية وكرامة ومشروع رسالي رأيناه عند موريسكي الأندلس، أو مسلمي صقلية زمن النورمان، أو مسلمي القوقاز تحت نير روسيا القيصرية ثم الشيوعية، أو مسلمي الصين الشرقية اليوم، أو حتى العالم العربي الإسلامي في ظل الهيمنة الفرنسية الانجليزية ثم الأمريكية الصهيونية اليوم؟!
إن الإجابة لا شيء، غير حالة من العبثية المتجددة، صحيح أن للحركات الإصلاحية دورها في تقوية عزم الشعوب وتحريكها أو تطهيرها من نير الجهل بالدين لكنها على مستوى مقاومة الطغيان صفر اليدين.
شعب مصر على سبيل المثال قام في المائتي عام الأخيرة بخمس ثورات كبيرة كلها باءت بالفشل، والتف عليها الطغيان من جديد، ثورة عمر مكرم 1800، 1801م ضد الحملة الفرنسية وأكل ثمرتها محمد علي وقد دمر فيها كل من قاموا بالثورة ليمسي المصري الحر عبدًا للدولة الحديثة، وثورة عرابي ضد ظلم الخديو توفيق وأسرته سنة 1882م وقد فشلت ونفي عرابي وزملائه، بل كانت وبالا على المصريين لأنها شرعنت للاحتلال الانجليزي الذي ظل لمدة 70 سنة تالية، والثورة الشعبية بقيادة سعد زغلول ورفاقه سنة 1919م ضد الاحتلال الانجليزي وقد ضحك عليهم الانجليز باستقلال صوري وتم حصار الثورة في المسالك السياسية، وانقلاب 1952م على الملكية الذي تحول إلى حركة شعبية تم بموجبه الشرعنة لحكم عسكري سحق كل القوى السياسية وظل إلى الآن، ثم ثورة يناير 2011م والتي يبدو أنها في أيامها الأخيرة بسبب غباء الحركات الإصلاحية والسياسية التي انتهجت الفلسفة الإصلاحية في واقع ثوري حتى تم الإفراج عن المجرمين الذين قامت الثورة ضدهم!
***
نحن الآن كمن بدأ مرحلة الغرق فإما ينتشله أحد أو أن يضيع في بحار النسيان كما ضاع الجاهلون من قبل..
أولاً علينا أن نستقرئ من مع فريق شفيق الآن وماذا يفعلون:
1-              الإعلام الرسمي والخاص في مجمله معه وسياسة التخويف من التيار الإسلامي "الإرهابي" على قدم وساق.
2-      القوى التي تسمى نفسها مدنية والتي طالما لعبت دور المعارضة المستأنسة زمن النظام السابق تلعب نفس الدور باحترافية شديدة، تفرض على الإخوان إتاوة سياسية رخيصة في وثيقة العهد، وتنتظر منها الرد إما بالموافقة وهذا غير وارد طبعا وإما الانحياز لشفيق ليظهروا أمام الشعب أنهم قدموا "طوق نجاة" للإخوان لكنهم رفضوا، ليظهروهم أمام الشعب أنهم يريدون "التكويش".
3-      فريق من المثقفين والسياسيين الذين حسبنا أن بهم مسحة من الشرف والرجولة يبيعون الثورة بصمتهم وسكوتهم وإظهار حيادهم، ولقد سوّقوا للناس أنهم ضد الدولة الاستبدادية التي يمثلها شفيق، والدولة الدينية التي يمثلها مرسي، والحق أنهم بهذا الموقف مع شفيق على مستوى النتائج.
4-      الحزب الوطني منتشر في القرى والمدن يدعم شفيق بلا مواربة، أو بث روح المقاطعة في الناس لمن رأوا منه ترددا وكرها لشفيق، والمليارات – بلا مبالغة – تقدم كرشاوى للناخبين من الآن.
5-      الحكومة تحشد كافة المنتمين لها لانتخاب شفيق، والتصريحات المنقولة عن محافظ بني سويف، وتسريبات عن محافظ كفر الشيخ أصبحت أمرا معلوما للكافة طبقا لجريدة المصريون بتاريخ 2 يونيو.
6-      المجلس العسكري لا يمكن أن نقول إنه مع مرسي أو أنه يقف على الحياد والسخونة التي نراها في مجلس الشعب أخيرا أفضل دليل على هذا.
7-              المؤسسة المسيحية الرسمية ومن اقتنع برأيها ممن يرون في مرسي ترسيخا للدولة الدينية التي قد تضطهدهم، وشفيق المنقذ لهم!
8-      كل من يدعو للمقاطعة ولو بحسن نية، فإن نتيجة فعله هذا في صالح شفيق بلا أدنى شك؛ لأن شفيق يملك كتلة تصويتية صلبة قد لا تقل عن 7 أو 8 مليون صوت، ومن ثم فمن مصلحته ألا يصوت ضعف هذا الرقم لمرسي، ومن هنا تصبح المقاطعة عاملا من عوامل نجاحه بلا شك.
وأما الفريق الذي يمثل الثورة فهو ما يلي:
1-      الإخوان المسلمون ومرشحهم – مع تأكيدنا على الكوارث السياسية التي وقعوا فيها والتي أوصلتنا لما نحن فيه الآن – هم فريق لا شك أنه مع الثورة قلبا وقالبًا وحركة على الأرض.
2-      كل مجموعة ليبرالية أو شبابية أو ثورية أو إسلامية وقفت مع مرشح الثورة مرسي ضد شفيق، بلا شروط أو ضمانات وعلى رأسها حازم أبو إسماعيل وأنصاره، وعبد المنعم أبو الفتوح وأنصاره (مع شروط اشترطها فيها المهم وفيها الغريب)، والتيار الإسلامي كله بحركاته وأحزابه، وحزب غد الثورة وحركة شباب 6 إبريل وغيرهم.
ولاشك أن الفريق الثاني (فريق مرسي) لا يملك ما يملكه الفريق الأول (فريق شفيق) إلا الحركة في الأرض وهذه لاشك أن لها نتائج قوية، لكنها قد تتضاءل أمام القوة المالية والإعلامية والفعلية على الأرض أمام الفريق الأول!
المعركة الآن معركة وعي ووحدة، والوقوف خلف مرسي بلا ضمانات أو اشتراطات فارغة، والانتشار بين الجماهير، والجهد الدؤوب لإظهار خطر النظام البائد على الثورة بل على أي ثورة محتملة في الوطن العربي والإسلامي كله، ويبدو أن الحل الواقعي يتمثل مع ما سبق في مسارين هما انتخابي وثوري على التوازي، الأول يجب أن يتحد فيه الجميع ويعملوا على الأرض لتحقيق نتائج تصب في صالح الثورة. والثاني يضمن إلى حد ما نزاهة العملية الانتخابية والحراسة الشعبية للمرحلة الثانية من الانتخابات.
أما الاقتراح القائل بمجلس رئاسي مدني فهو صعب المنال سياسيا ودستوريا في ظل مجلس شعب منتخب، وسلطة عسكرية لن تتقبل هذا اللهم إلا بثورة قوية، بل وفي ظل قوى سياسية كثير منها من يقدم المصلحة الشخصية على المصلحة العامة للوطن، فضلا عن ضرورة إعادة تعريف معنى وحجم كل قوة وفصيل من هؤلاء؛ فقد كانت من جملة الاقتراحات التي تسعى لتشكيل مجلس رئاسي مدني أن يكون فيه أحد المرشحين الذي لم يحصل على أكثر من 134 ألف صوت في الجولة الأولى خارجا من السباق الرئاسي بأوسع أبوابه وينسى آخر تم استبعاده ظلما حصل على 158 ألف توكيل، فما بالنا لو دخل السباق الانتخابي.
إن المجلس الرئاسي المدني والمنادون به والمصرون عليه إنما يفخخون اللحظة الثورية التي عادت من جديد مطالبة بعزل شفيق طبقا لقانون العزل، ويضيعون الحراسة الشعبية للجولة الثانية من الانتخابات، ويصنعون الإحن السياسية التي تجعل كل مجموعة ضئيلة من الناس تفرض نفسها لتزيد من تعقيد المشهد. ولن تفلح هذه الآلية إلا بطريقة شرعية لا تقبل المساس أو المساومة أو التفخيخ في قابل الأيام وهذا في ظل واقع سياسي معقد من المستحيلات الأربع!




[1] الكواكبي: طبائع الاستبداد ص24.