‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 21 مايو 2015

سؤالُ الأخلاق بين الإسلام والغرب!

تبدو أزمة الأخلاق المعاصرة مسألة إشكالية معقّدة للوهلة الأولى؛ ذلك لأن هذه الأزمة لا ترتكن في جانب واحد من جوانب الحياة الإنسانية المعاصرة، بل أضحت مأزقًا في كافة أشكال التمظهر الإنساني من السياسي إلى الاجتماعي إلى المعرفي إلى الاقتصادي إلى التكنولوجي، فجل الحقول الإنسانية والعلمية اليوم معنية بسؤال الأخلاق، وأسباب غيابها، وآثار هذا الغياب.
وتأتي أهمية "الأخلاق" لكونها الأساس الركين في قيام وسقوط الحضارات، وإننا نرى هذه الحقيقة جلية في تاريخ الحضارات البشرية؛ ففي كتابه "قصة الحضارة" لم يغب عن المؤرخ الأمريكي الجاد "ول ديورانت" أثناء استعراضه لمسار الحضارات الإنسانية منذ القدم حتى بدايات العصر الحديث، تتبع قضية الأخلاق وأشكالها في جل الحضارات التي وقف معها، وغالبًا ما أفاض في الحديث عن أثر الأخلاق ومصادرها في تلك المجتمعات، فهو يقول عن دين اليونان: "يبدو لأول وهلة أن الدين اليوناني لم يكن ذا أثر كبير في الأخلاق، فقد كان في أصله طائفة من قواعد السحر لا من قواعد الأخلاق القويمة، وبقي إلى حد كبير على هذا النحو إلى آخر أيام اليونان"[1]. وعند حديثه عن سقوط الإمبراطورية الساسانية: "سادت وقتئذ الفوضى في تلك البلاد التي أنهكتها الحروب مدى ستة وعشرين عاماً، وفشا في الدولة التفكك الاجتماعي بعد أن عمها الفساد الأخلاقي بتأثير الثروة التي جاءت في أعقاب النصر الحربي"[2].

المذاهب الغربية ومأزقها الأخلاقي

وما بين الحضارة الغربية التي قامت ولا تزال على فلسفة الأخلاق التي وضعها فلاسفة اليونان الأقدمين كأرسطو وأفلاطون وغيرهما، والأخلاق الإسلامية التي ما جاءت إلا لتُكمل محاسن الأخلاق وصالحها عامة ثم تحض على ثباتها واستمراريتها، كما نفهم من حديث نبينا r: "إنما بعثتُ لأتمم صالحَ الأخلاقِ"[3]. تسير البشرية اليوم بين طريقين نقيضين!
إنّ خطورة ضعف المسلمين اليوم، وتراجعهم أمام المأزق الأخلاقي العالمي الذي تفرضه أخلاق الحداثة المعاصرة، لا تنطوي آثاره على حضارتهم وأمّتهم – برغم مأساوية هذا الوضع – وإنما تتكشف هذه المأساة على العالم كله؛ ذلك أن الفلسفة الأخلاقية اليونانية دفعت الإنسان الغربي إلى تحقير ما دونه من أجناس أخرى، وتبرير استعمار واستغلال واستعباد غير الغربيين، يقول برتراند رسل: "لقد أخطأ اليونان خطأ فاحشًا حين أحسّوا شعور السيادة على الشعوب البربرية، ولا شكّ أن أرسطو قد عبّر عن فكرتهم العامة في ذلك حين قال: إن أجناس الشمال مليئة بشعلة الحياة، وأجناس الجنوب متحضّرة، واليونان وحدهم هم الذين يجمعون الطرفين، فشُعلة الحياة تملؤهم وهم في الوقت نفسه متحضّرون. وأفلاطون وأرسطو كلاهما قد ذهبا إلى أنه من الخطأ أن يُتّخذ من اليونان عبيد، لكن ذلك عندهما جائز بالنسبة للشعوب البربرية!"[4].
وسار الغربي المعاصر على درب أسلافه الأقدمين، وجل الأيديولوجيات والأفكار الأخلاقية التي انتشرت في القرنين التاسع عشر والعشرين وإلى الآن لم تخرج قيد أنملة عن التصورات اللا أخلاقية التي قعّدتها الفلسفة الأخلاقية اليونانية أم الفلسفات الغربية المعاصرة.
وقد تنوعت تلك المذاهب؛ ف"النفعية" تجلت عند بعض فلاسفة فرنسا في القرن الثامن عشر، وفلاسفة الانجليز مثل بنثام وجون ستيورات مل في القرن التاسع عشر والعشرين، و"معالم المذهب النفعي تتلخّص في التقاء مفكريه على القول بأن اللذة أو المنفعة هي الخير المرغوب فيه، والألم هو الشر الذي يجب تفاديه، ومن ثم فإن المنفعة عندهم هي مقياس الخيرية"[5].
وفي القرن العشرين تفرّع المذهب النفعي فروعًا شتّى وانتصر له طائفة من الفلاسفة الأمريكيين بوجه خاص، ويتضح المذهب بصورة أوضح عند أحد كبار فلاسفته وهو وليم جيمس الذي يرى أن الخير يقوم في إشباع مطالب الإنسان وتحقيق رغباته، وجاء بعده جون ديوي الذي اعتبر الأفكار والمثل العُليا والمبادئ مجرد وسائل وذرائع يستعين بها الإنسان فيتوجّه سلوكه إلى حيث تتحقق مطالبه وغاياته[6].
أما ماركس زعيم الفلسفة الاشتراكية فبسبب اعتقاده في أن التقدم لا مندوحة عنه؛ ظنّ أنه من الممكن "الاستغناء عن الاعتبارات الأخلاقية؛ فإذا كانت الاشتراكية آتية فهي لابدّ أن تكون تحسينًا"[7].

الإسلام يُقدم الجواب!

في المقابل يقدم الدين الإسلامي الجواب الكافي حول سؤال الأخلاق؛ إنه لا يُقدم مادة وفيرة حول ماهية الأخلاق وأنواعها، وكيفية عملها في الإنسان وبالإنسان، وإنما يُقدم الحلول الناجعة للمشكلات الأخلاقية الفردية والجماعية والعالمية على السواء.
لقد كشفت الحضارة الإسلامية في سيرتها الأولى وما تلاها اتكاءها على الأخلاق والقيم والمثل النبيلة، تجلت هذه الحقيقة في سيرة النبي r وسنته والوحي الإلهي المنزل عليه، وكشف r أن خير الناس أحسنهم أخلاقًا، قال r: "إن من خياركم أحسنكم أخلاقا"[8]، وفي رواية أخرى: "إن من أحبكم إليَّ أحسنكم أخلاقا"[9]، وأمر r أن يتخلّق أصحابه وأتباعه بالخُلق الطيب، فقال في الحديث الذي رواه أبو ذر رضي الله عنه عن النبي r: "قال لي رسول الله r: اتقِ الله حيثما كنتَ، وأتبع السيئةَ الحسنة تمحُها، وخالق الناس بخُلق حسن"[10]. وبيّن r - خلافا للفلسفة اليونانية والغربية المعاصرة - أن الناس سواسية لا يتفاضلون إلا بالتقوى وهي مخافة الله تعالى، فقال r في حجة الوداع: "يا أيُّها النَّاس، ألا إنَّ ربَّكم واحدٌ، وإنَّ أباكم واحدٌ، ألا لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلَّا بالتَّقوى، أبلَّغتُ؟"، قالوا: بلَّغَ رسول الله"[11].
وقدّم النبي r القدوة الأخلاقية، حتى إن الله تعالى صرّح بهذا في قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾[12]. وسار الصحابة - رضوان الله عليهم - على طريق النبي r، ولم يتجل نُبلهم وأخلاقهم فيما بينهم وفقط، وإنما في تعاملهم مع الآخر، في السلم والحرب، ولم تكن الحرب دافعة لهم لتجاوز ما اعتنقوه من أخلاق الإسلام، فنرى خليفة رسول الله r أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - يقول ليزيد بن أبي سفيان - رضي الله عنهما - قُبيل خروجه لفتح الشام: "إني موصيك بعَشرٍ: لا تقتلنّ امرأة، ولا صبيًا، ولا كبيرًا هرما، ولا تقطعن شجرًا مُثمرًا، ولا تخربن عامرًا، ولا تعقرن شاة  ولا بعيرا إلا لمأكلة، ولا تحرقن نحلاً، ولا تُفرّقنّه، ولا تغلل، ولا تجبن"[13]. وهي الوصايا التي تكشف الهُوّة الأخلاقية - عند المقارنة – بين ما قام به الفاتحون المسلمون وما قامت به الدول الاستعمارية الغازية في العصر الحديث ولا تزال.
أما القرآن الكريم فهو دستور الأخلاق بحق؛ لأنه قد تميز عن الكتب والرسالات السابقة "بذلك الامتداد الرحب الذي ضم فيه جوهر القانون الأخلاقي كله، وهو الذي ظل متفرقاً في تعاليم القديسين والحكماء، من المؤسّسين والمصلحين، الذين تباعد بعضُهم عن بعض، زماناً ومكاناً، وربما لم يترك بعضُهم أثراً من بعده يحفظ تعاليمه"[14].
وما بين دين وحضارة قامت على الأخلاق، وحضارة أخرى قامت على النفعية وتجنب سؤال الأخلاق ينزلق الإنسان المعاصر إلى هوة سحيقة من الانحلال والصراعات، طالما ظل الإسلام والمسلمون في موقع بعيد عن التأثير العالمي، هوّة أعلنها منظرو الغرب دون مواربة في أطروحات "نهاية التاريخ" و "صراع الحضارات"!

نُشر في مجلة الوعي الإسلامي، شعبان 1436هـ/ مايو - يونيه 2015م





[1] ول ديورانت: قصة الحضارة، ترجمة زكي نجيب محمود 6/365. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم – تونس، 1988م.
[2] ول ديورانت: قصة الحضارة 12/304.
[3] مسند أحمد، ح (8939) 2/381. مؤسسة قرطبة للنشر. وقال شعيب الأرناءوط: حديث صحيح قوي الإسناد.
[4] برتراند رسل: تاريخ الفلسفة الغربية، ترجمة زكي نجيب محمود 1/251. لجنة التأليف والترجمة والنشر – القاهرة، 1967م.
[5] مصطفى حلمي: الأخلاق بين الفلاسفة وعلماء الإسلام ص61. دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى – بيروت، 2004م.
[6] توفيق الطويل: الفلسفة الحديثة ص276، ومصطفى حلمي: الأخلاق بين الفلاسفة وعلماء الإسلام ص66.
[7] برتراند رسل: تاريخ الفلسفة الحديثة، ترجمة محمد فتحي الشنيطي 3/434. الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة، 1997م.
[8] صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب صفة النبي r ح (3366). تحقيق مصطفى البُغا. دار اليمامة، الطبعة الثالثة – بيروت، 1987م.
[9] البخاري ح (3549).
[10] سنن الترمذي، ح (1987). تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي – بيروت.
[11] مسند الإمام أحمد 38/474، ح (23489). وقال الأرناءوط حديث صحيح الإسناد.
[12] (الأحزاب: 21).
[13] موطّأ الإمام مالك، رواية يحيى الليثي (965). تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت.
[14] محمد عبد الله دراز: دستور الأخلاق في القرآن ص8. مؤسسة الرسالة – القاهرة.

الاثنين، 27 أبريل 2015

تأملات في "التقوى"!

لا يزال الإنسان منا تتلاطمه أمواج الحياة بشواغلها وملاهيها حتى كأنه ينسى أو يُنسيه الشيطان سبب وجوده، وغاية خلقه؛ وبينما يخلو الإنسان بنفسه بين جنبات آي القرآن الحكيم، تتكشف أمامه حقيقة نفسه، وحقيقة التاريخ البشري، ومراد الرب من العباد؛ إنك ترى في هذا القرآن الكريم ربّاً عظيمًا محيطًا قيومًا، وسع كرسيه السموات والأرض، يعلم السر وما أخفى من السرِّ، فإذا بك تتمهّل، وإذا بك تراجع نفسك مليًا، فتتذكر أخطاءك وذنوبك، وكيف تجرأت على الخالق الذي سترك يوم كذا في ساعة كذا، حينها تتيقن أن التقوى التي ذُكرت في القرآن بمشتقاتها أكثر من 170 مرة لها من المكانة ما لها.
إن كلمة التقوى كانت من المفردات القرآنية الجديدة التي لم يعتد العربُ في جاهليتهم على سماعها، مثلها مثل كلمة الهداية والنفاق وغيرها من الألفاظ الإسلامية الجديدة التي أرادت أن تؤصّل واقعًا جديدًا طاهرًا لا يتوقف عند المادة وفقط، بل يخترق النفس وأسرارها، ويبحث عن القلب، الذي هو عماد الإنسان وبصيرته وعقله ومناط هدايته، ومستودع إيمانه!
فالمتَّقون هم الموصوفون بتقوى الله عزَّ وجلَّ. وأساس التَّقوى: خشية الله. ولذلك أشار النبيّ عليه الصلاة والسلام إلى صدره، وقال ثلاث مرات: "التقوى ها هنا"[1]. والتقوى كما ذكر القرآن أصلها في القلب، وثمرتها على الجوارح بأداء الفرائض والنوافل، واجْتناب المحرَّمات، قال تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج:32]، ومن اللافت أن الإنسان يرتقي بتقواه، كما جاء في بعض الأحاديث: "لا يبلغ العبدُ أن يكون من المتقين، حتى يَدَعَ ما لا بأس به، حذرًا لما به البأس"[2]، فالجنة لا يدخلها إلا المتقون!
إن حقيقة التقوى فعل المأمورات واجتناب المنهيات. وأفضل ما قيل فيها، ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه حيث قال: التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل والاستعداد للرحيل.
فمن فعل ذلك فقد اتقى الله حق تقاته، فالخوف من الجليل وهو الله سبحانه وتعالى، والعمل بالتنزيل وهو الكتاب والسنة، والاستعداد للرحيل من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة وذلك بالعمل الصالح، وهذا كما في قوله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [البقرة:197]،  فليكن شعار المؤمن دائماً تقوى الله في السراء والضراء في حالة غيبته عن الناس وفي حالة وجوده معهم، يتق الله بترك ما حرّم الله عليه، ويفعل ما أمره الله به، ويكثر من التوبة والاستغفار عما يحصل منه من التقصير[3].
وإن من فوائد التقوى وأد الفتن، والسعي لإصلاح ما بين الناس، قال التابعي الجليل طلق بن حبيب: إذا وقعت الفتنة فأطفئوها بالتقوى. قالوا: يا أبا علي: وما التقوى؟ قال: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله.
ومن اللافت أن الإسلام – خلافًا لملل ونحل وحضارات – قد جعل التقوى ميزانًا دقيقًا، ومعيارًا نافذًا لتصنيف الناس، ومقياسًا للحُكم عليهم، وهيأ لها أمينًا وأميرًا، إن أخَذ بها صلَح أمرُه كلُّه، وإن فرَّط فيها فسَد أمرُه كلُّه، ألا وهو القلب؛ فإن القلب أميرُ البدن وأمينُه؛ فإن عمّر الإنسانُ قلبَه بتقوى الله تعالى صلح قلبه، ومَن صلح قلبه صلحت سائر جوارح بدنه، ومَن فسد قلبه فسدت سائر جوارح بدنه، وعلامة فساد هذا القلب: تركُ التقوى، وهي رقابة الله جل وعلا، واستشعار معيَّته تعالى، فلا يراك - تبارك وتعالى - حيث نهاك، ولا يفقِدُك حيث أمرك، وهو العليمُ العلام الذي يعلم جهرك وسرَّك ونجواك[4].

نُشر في مجلة الوعي الشبابي الإلكترونية



[1]  رواه مسلم في البر والصلة (2564)، أحمد (8722)، عن أبي هريرة.
[2] رواه الترمذي في صفة القيامة (2451) وقال: حسن غريب.
[3] صالح الفوزان: معنى تقوى الله سبحانه وتعالى وثمراتها، موقع الشيخ الفوزان.
[4] عبد المنعم نعيمي: التقوى معيار الاحترام والمفاضلة بين الناس، مقال على موقع الألوكة.

الاثنين، 6 أبريل 2015

الذوقُ العام في حضارتنا!

حين كتب المستشرق الجاد مايكل كوك كتابه المهم "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، كان دافعه من وراء هذا العمل الذي استمر معه لمدة عشر سنوات كاملة هي تلك الحادثة التي قرأ عنها في الصحف الأمريكية عن تلك المرأة التي اغتُصبت على مرأى من الجميع في محطة قطار شيكاغو سنة 1988م، وما تدخّل عشرات المشاهدين لإنقاذها أو ردع الجاني، "وماذا يعنيه ذلك في سياق المسئولية الأخلاقية والقانونية والدينية العامة"[1]. ثم انتقاله في بداية كتابه الآنف إلى قصة "صائغ مرو" الذي تصدّى لأبي مسلم الخراساني بطل الثورة العباسية؛ لردعه عن الظلم ففقدَ حياته استنادًا لاعتقاده بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومقارنته بين تلك الحادثتين، وما ترتّب عليه من تتبع كوك على مستوى الطرائق الفيلولوجية - التي انتهجها من قبله مستشرقو القرن التاسع عشر والعشرون في دراساتهم حول التراث الإسلامي – في القرآن الكريم والحديث النبوي والمذاهب الفقهية والكلامية والمدارس الإسلامية المعاصرة، فخلص إلى تلك النتيجة التي فصّلها حجة الإسلام الغزالي (ت505هـ) في "إحياء علوم الدين"، في الفصل الذي عقده باسم "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"؛ إذ قال رحمه الله: "إن الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ هُوَ الْقُطْبُ الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين"[2].
الإطار الأخلاقي النظري
لقد رأى ذلك الباحث الأمريكي كوك أن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو المبدأ الذي ميّز الأمة المسلمة عن أمته الغربية؛ فهو يعترف بصراحة تُحسب له أنه "ليست لدينا [في الغرب] في حياتنا اليومية مصطلح يشرح هذا الواجب، كما ليست لدينا نظرية عامة حول الأوضاع التي ينطبق عليها، والإرغامات التي تُسقطة. إن القيمة الأخلاقية موجودة عندنا، لكنها ليست من القيم التي أولتها ثقافتنا صياغة متطورة ومتكاملة"[3].
في المقابل، فإن من يبغي فهم قضية الذوق العام واللياقة في ديننا الحنيف لن يجد أفضل من مدخل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمعناه الأعم الأشمل، للفهم والاستيعاب، وربما الدهشة التي تُصيب القارئ والباحث على السواء لمدى الشمولية التي تُملس في هذا المبدأ الإلهي العظيم!
واستقاء هذا المبدأ كغيره من المبادئ الأخرى في الإسلام إنما يتكئ على القرآن الكريم والسنة النبوية، وهو مما لا يُحصى ولا يُحصر، والآية القرآنية الجامعة التي تكشف عن أن خيرية الأمة المسلمة إنما يرتبطُ بتمسّكها بهذه الوظيفة الحضارية والأخلاقية على المستوى الفردي والجمعي على السواء كاشفة لذلك؛ إذ قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ[4]﴾. وقد علّق الأستاذ سيد قطب – رحمه الله – على هذه الآية بقوله: "سبق في السياق الأمر التكليفي للجماعة المسلمة أن يُنتدب من بينها من يقومون بالدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما هنا فقد وصفها الله سبحانه بأن هذه صفتها. ليدلها على أنها لا توجد وجوداً حقيقياً إلا أن تتوافر فيها هذه السمة الأساسية، التي تُعرف بها في المجتمع الإنساني"[5].
والحق أن حجة الإسلام الغزالي كان من أوائل من عكفوا على فهم النظرية الأخلاقية في القرآن الكريم وأثرها العملي على الذوق والسلوك العام، وذلك في كتابه "جواهر القرآن"، وقد ردّ جوهر هذه النظرية إلى عُنصرين أساسيين يتصل أحدهما بالمعرفة، ويتصل الآخر بالسلوك، وانتهى إلى أن حصر في القرآن من النوع الأول سبعمائة وثلاثًا وستين آية؛ كما حصر من النوع الثاني سبعمائة وإحدى وأربعين آية[6].
أما الأحاديث النبوية الشريفة فهي كثيرة للغاية، لعلّ أشهرها قوله r: "من رأى منكم مُنكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبِه وذلك أضعف الإيمان"[7]، وهذا الحديث الشريف من جوامع الكلم في قضية الذوق العام واللياقة؛ إذ تركُ الحرية للمفسدين أو المنحلين على إطلاقها مفسدة للمجتمع؛ والإنسان بطبعه متعجّل للمعصية قبل الطاعة، كما أخبرنا تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا[8]﴾، ولو لم يجد هؤلاء المفسدون من يقف لهم آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، لاستشرى فسادهم.
من النظرية إلى العمل!
إن أهمّ ما يميّز الحضارة الإسلامية أنها كانت على المستوى العملي نموذجًا فذًا لتطويع الحركة البشرية فكرًا ومادةً لخدمة الوحي الشريف؛ ونظرًا لأن قضية الذوق والسلوك العام، كانت قد تجلّت في آي الذكر الحكيم، وأقوال وأفعال النبي r وخلفائه من بعده؛ فقد برزت بمرور الوقت، ونضوج الفكرة، مسألة الاحتساب كسلوك واقعي، وانتقل الأمر من طور الفردانية إلى عمل مؤسسي جاد له ضوابطه وقواعده الواضحة، بل لم يتوقف الأمر عند ذلك إذ صار الاحتساب وظيفة لا غنى للدولة الإسلامية عنها، ثم شُرع في وقت لاحق في الكتابة المتخصصة عن الدور الأخلاقي والتعريف المنطقي لهذه المؤسسة، فظهرت مؤلفات الاحتساب في حقل الآداب والأخلاق العامة، وربما وجدناه في حقل السياسة الشرعية وآدابها.
أما الأمثلة التاريخية على هذا فأكثر من أن تُحصى في مجلد فضلاً عن مقال، لقد حكى الإمام ابن كثير في "البداية والنهاية" أن رجلا يُدعى "أبا الحسين النوريَّ اجتاز بزورق فيه خمر مع ملاَّح (بحَّار) فقال: ما هذا؟ ولمن هذا؟ فقال له: هذه خمر للمعتضد [الخليفة العباسي]. فصَعِدَ أبو الحسين إليها فجعل يضرب الدنان (أوعية ضخمة) بعمود في يده حتى كسرها كلها إلا دنًّا واحدًا تركه، واستغاث الملاح، فجاءت الشرطة، فأخذوا أبا الحسين، فأوقفوه بين يدي المعتضد، فقال له: ما أنت؟ فقال: أنا المحتسب. فقال: ومن ولاَّك الحسبة؟ فقال: الذي ولاَّك الخلافة يا أمير المؤمنين. فأطرق رأسه، ثم رفعه فقال: ما الذي حملك على ما فعلت؟ فقال: شفقة عليك؛ لدفع الضرر عنك. فأطرق رأسه، ثم رفعه، فقال: ولأي شيء تركت منها دنًّا واحدًا لم تكسره؟ فقال: لأني إنما أقدمتُ عليها فكسرتها إجلالاً لله تعالى، فلم أُبَالِ أحدًا، حتى انتهيتُ إلى هذا الدنِّ دخل نفسي إعجاب من قبيل أني قد أَقْدَمْتُ على مثلك فتركته. فقال له المعتضد: اذهب، فقد أطلقت يدك، فغيِّر ما أحببتَ أن تُغَيِّره من المنكر. فقال له النوري: الآن انتقض عزمي عن التغيير. فقال: وَلِمَ؟ فقال: لأني كنتُ أُغَيِّرُ عن الله، وأنا الآن أُغَيِّر عن شرطي. فقال: سَلْ حاجتك. فقال: أحبُّ أن تُخْرِجَني من بين يديك سالمًا. فأمر به فأُخْرِج فصار إلى البصرة، فأقام بها مختفيًا؛ خشية أن يشقَّ عليه أحدٌ في حاجة عند المعتضد، فلما توفي المعتضد رجع إلى بغداد"[9].
لقد تدخلت وظيفة المحتسب في كل ما من شأنه المحافظة على الذوق والسلوك العام، ومن أعجب ما نقرأ؛ ما وضعه ضياء الدين ابن الإخوة (ت729هـ) في كتابه "معالم القربة في طلب الحسبة" في فصل "في الحِسبة على مؤدِّبي الصبيان" حيث قال: "يُشترط في المعلِّم أن يكون من أهل الصَّلاح والعفَّة والأمانة؛ حافظًا للكتاب العزيز، حسن الخطِّ ويدري الحساب، والأولى أن يكون مُزوَّجًا، ولا يُفسح لعازبٍ أن يفتح مكتبًا لتعليم الصِّبيان إلَّا أن يكون شيخًا كبيرًا، وقد اشتهر بالدِّين والخير ومع ذلك فلا يؤذن له بالتَّعليم إلَّا بتزكيةٍ مرضيَّةٍ وثبوت أهليَّته لذلك. وينبغي للمؤدِّب أن يترفَّق بالصَّغير ... ولا يضرب صبيًّا بعصًا غليظةٍ تكسر العظم، ولا رقيقةٍ لا تؤلم الجسم بل تكون وسطًا ... وينبغي للمؤدِّب أن لا يستخدم أحد الصِّبيان في حوائجه وأشغاله الَّتي فيها عارٌ على آبائهم كنقل التُّراب والزِّبل وحمل الحجارة وغير ذلك، ولا يرسله إلى داره وهي خاليةٌ لئلَّا يتطرَّق إليه التُّهمة ..."[10]. وهذا الكتاب يُعدّ من أروع ما كُتب في قضية الذوق العام وضوابطها فضلاً عن مؤلفات أخرى سبقته مثل كتاب "نهاية الرتبة الظريفة في طلب الحسبة الشريفة" للشيزري (ت590هـ).
لا ريب أن نظام الحسبة في الإسلام – كما يقول العلامة مصطفى الشكعة - "هو ذروة ما يمكن أن يفكِّر فيه الحكم الحصيف؛ للحرص على راحة الناس وأَمْنِهِم ودِعَتِهم، والحفاظ على رفاهيتهم، وتجنيبهم كل أسباب القلق والضيق، وحماية المجتمع أدبيًّا ومعنويًّا ومادِّيًّا، حمايةً مبسوطة كل البسط، غير محدودة بحدود، ولا مُقَيَّدة بقيود، إلاَّ حدود الأمن وقيود الذوق، ولا نكاد نجد حَكَمًا معاصرًا في أية دولة معاصرة يستعمل مثل هذا الأسلوب من أساليب حماية المواطنين في نطاق وظيفة بِعَيْنِهَا، مثل وظيفة الحسبة وصاحبها المحتسب"[11].

نُشر في مجلة الوعي الإسلامي، عدد جمادى الآخرة 1436هـ/ إبريل 2015م.



[1] مايكل كوك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي، مقدمة رضوان السيد ص20. الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الثانية – بيروت، 2013م.
[2] الغزالي: إحياء علوم الدين 2/306. دار المعرفة – بيروت.
[3] كوك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ترجمة رضوان السيد وآخريْنِ ص25.
[4] (آل عمران: 110).
[5] سيد قطب: في ظلال القرآن 1/448. دار الشروق، الطبعة السابعة عشر – القاهرة، 1412هـ.
[6] محمد عبد الله دراز: دستور الأخلاق في القرآن، ترجمة عبد الصبور شاهين ص5. مؤسسة الرسالة، الطبعة العاشرة – بيروت، 1998م.
[7] صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان (78). تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت.
[8] (الشمس: 8).
[9] ابن كثير: البداية والنهاية 11/89.
[10] ابن الإخوة: معالم القربة في طلب الحسبة ص170، 171. دار الفنون، كامبردج.
[11] مصطفى الشكعة: معالم الحضارة الإسلامية ص84.

الأربعاء، 11 فبراير 2015

أزمة الجزيرة العربية مع دول الطوق

ليس ثمة شك في أن ما تتعرض له دول الجزيرة العربية في السنوات القليلة الماضية هو تحدٍّ خطير وجوهري على المستوى الإقليمي والقُطري القريب؛ ذلك أن دخول الولايات المتحدة الأمريكية لإسقاط نظام صدّام منذ العام 2003م، وفشلها على مستوى ضبط الأوضاع الأمنية والسياسية في هذا البلد شديد التباين على المستوى العقدي والاجتماعي والسياسي قد أدى إلى اختلال البنية الاجتماعية للدولة العراقية وتشظيها.
لقد أدّت سيولة الأوضاع السياسية والأمنية التي أعقبت تفكيك الجيش العراقي على يد الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر، إلى تعزيز انتشار السلاح بكافة أنواعه، وظهور المليشيات المسلحة التي تخدم أجندات متباينة من أول العقيدة ونهاية بالمصالح وآبار النفط ومناطق النفوذ، الأمر الذي ترتّب عليه رجحان كفة الطائفة الشيعية، وانتقال المظلومية منهم لأول مرة عبر التاريخ إلى السنة، ولمدة عقد من الصراع، تطورت الحركات الجهادية السنية العراقية، ولاقت أرضًا خصبةً ، وربما حاضنة شعبية، وتعزّزت قوة تلك الحركات المسلحة بظهور الثورة السورية وتسلّحها، ثم بإسقاط الحدود بين الجانبين على يد تنظم الدولة الإسلامية في العراق والشام.
ولأول مرّة منذ حرب الخليج باتت المشيخات والممالك الخليجية عُرضة لذلك التحدي الجوهري من الشمال، فتارة تهدد بعض المليشيات الشيعية مثل "حزب الله العراقي" دولاً مثل السعودية، وتارة يهدد تنظيم الدولة ذات المملكة السعودية، وكلا الفريقين يرى في المملكة عدوًا وجارًا يضر بمصالحه، وتعزّز هذا مع انضمام عدد من دول الخليج إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية.
لم تتوقف التهديدات في الشمال فقط، وإنما أدى سوء السياسة الخليجية في دولة مهمة وإستراتيجية مثل اليمن إلى فشل الثورة اليمنية، ورجحان كفة جماعة "أنصار الله"/الحوثي إلى السيطرة على مناطق شمال اليمن، ثم السيطرة على العاصمة صنعاء في 22 سبتمبر 2014م، وأصبح الوضع اليمني على شفا بركان شبيه بدرجة كبيرة للغاية بالوضع العراقي والسوري.
تواجه الدولة اليمنية – إن صحّ توصيفها بالدولة – عدة تحديات بنيوية خطيرة للغاية، فجماعة الحوثي تسيطر على محافظات الشمال المحاذية للمملكة السعودية، في حين يقف أنصار الحراك الجنوبي وجماعة "أنصار الشريعة"/القاعدة ضد رغبة الحوثيين الطامعة في الاستيلاء على اليمن.
لقد تمكن الحوثيون من الاستيلاء على عدد من الألوية العسكرية في عمران وصنعاء وغيرها بما في ذلك مخازن الأسلحة، وربما عن قريب سنشهد استيلاء الحوثي على طائرات ومطارات عسكرية مما سيغيّر من موازين القوى بلا شك، وتواجه معه الدولة اليمنية مزيدًا من السيولة السياسية، والتردّي الأمني الخطير الذي لن تقف خطورته على الأوضاع الداخلية اليمنية، بل سنرى خطورتها على مضيق باب المندب المدخل الأهم لتجارة البحر الأحمر، وعنق قناة السويس، ثم الخطورة التي قد تشهدها الحدود السعودية والعُمانية مع اليمن.
بالطبع يمكن أن يُعزى فشل السياسة الخليجية في دول الطوق الخليجي (العراق – سوريا – اليمن) إلى ما يمكن تسميته بالحرب الباردة بين السعودية وإيران، ونجاح المشروع الإقليمي الإيراني حتى الآن في دعم وتثبيت أذرعه الإقليمية في تلك الدول، لكن لا يُمكننا تجاهل اختلال السياسة الخليجية في ملف العلاقات الخارجية بدول الطوق المحيطة بها دون فهم الدور الأمريكي في هذا الملف المهم والمحوري.
إن تشظي الحالة السياسية والأمنية في دول العراق وسوريا واليمن سينعكس بمردود سيء للغاية على الجزيرة العربية، وخاصة الدولة السعودية التي تمتد حدودها مع العراق لمسافة تقارب ال900كم في الشمال، وحدودها مع اليمن في الجنوب لمسافة 1460كم، والكويت التي تقع حدودها الشمالية كلها مع العراق وتمتدّ لمسافة 190كم وربما على عُمان التي تمتد حدودها مع اليمن لمسافة 288كم.
ولا شك أن دول الخليج تسعى بصورة جاهدة لتأمين حدودها مع مناطق التوتر كما في العراق واليمن، فقد بدأت المملكة السعودية إطلاق مشروع "السياج الأمني" لمسافة 900كم على الحدود الشمالية، ويضم المشروع 8 مراكز للقيادة والسيطرة و32 مركز استجابة على طول الحدود مجهزة بثلاث فرق للتدخل السريع و38 بوابة خلفية وأمامية مزودة بكاميرات مراقبة وعدد أبراج المراقبة والاتصالات بالمشروع 78 برجاً منها 38 برج اتصالات و50 كاميرا نهارية وليلية و40 برج مراقبة و85 منصة للمراقبة و10 عربات مراقبة واستطلاع، وكان الملك المتوفى عبد الله بن عبد العزيز قد افتتح المرحلة الأولى منه في سبتمبر 2014م، وبُدئ العمل فيه في شهر يونيه من نفس العام، بعد ظهور خطر تنظيم الدولة الإسلامية الذي كان قد تمكن من الاستيلاء على الموصل ثاني أهم وأكبر المدن العراقية آنذاك، لكن حادثة عرعر التي وقعت في بدايات يناير 2015م وأدت إلى مقتل قائد حرس الحدود الشمالية السعودية العميد معوض البلوي وعدد من مساعديه على يد انتحاري وعدد من المقاتلين الآخرين القادمين من العراق، قد فتح الباب مجددًا حول جدوى مشروع "السياج الأمني السعودي" مع العراق!

ومهما يكن من أمر، فإن التحديات الخارجية القادمة من دول الطوق على الجزيرة العربية غير مستبعدة إطلاقًا، ولأول مرة تقف الجزيرة العربية حائرة بين تنظيمات سنية معادية، وتنظيمات شيعية متربصة، وكلّ منهما في الشمال والجنوب يتزايد نفوذه، وتتضاعف قوته التسليحية والعددية يومًا بعد يوم!

نُشر في موقع ساسة بوست الإلكتروني

الأربعاء، 4 فبراير 2015

من دوافع العنف لدى الشباب!

العنف ظاهرة قديمة، يمكن للمرء أن يلحظ ذلك بكل سهولة حينما يطالع مصدرًا من مصادر التاريخ العام لدى أي حضارة من الحضارات، والإنسان بطبعه كائن مركب يميل إلى الفجور أكثر مما يميل إلى التقوى، ولما كان الشباب ذروة القوة لدى الإنسان، تجلّت هذه الظاهرة بوضوح.
أرقام مفزعة!
لقد جاء في تقرير صحيفة وقائع التابعة لمنظمة الصحة العالمية الصادر في أغسطس 2011م، حول عنف الشباب أنه "يُسجّل كل عام في جميع أنحاء العالم، حدوث نحو 250,000 جريمة قتل بين الشباب من الفئة العمرية 10-29 سنة، ممّا يمثّل 41% من العدد الإجمالي لجرائم القتل التي تحدث سنوياً على الصعيد العالمي. وتتباين معدلات القتل التي تُسجّل بين الشباب، بشكل كبير، بين البلدان وداخلها. غير أنّ الذكور يشكّلون، في كل البلدان، معظم مقترفي جرائم القتل وضحاياها. أمّا معدلات جرائم القتل المُسجّلة بين الإناث فهي أكثر انخفاضاً بكثير في كل الأماكن تقريباً. ولوحظ، في الفترة بين عامي 1990 و2004، ارتفاع معدلات جرائم القتل المُسجّلة بين الشباب في كثير من البلدان النامية، وانخفاضها في عدة بلدان متقدمة"[1].
ونتيجة لهذه الأرقام المرعبة، فيجب أولاً أن نعرف ماهية العنف لدى علماء النفس والاجتماع لنرصد أهم أسبابها ودوافعها في المنطقة العربية.
ماهية العنف
يقدم علم النفس عدد من النظريات التي تفسّر حدوث العنف، فوفق النظرية  البيولوجية فإن العنف ينشأ نتيجة عمليات التطور في الإنسان، بالإضافة لكونه تعبير عن الطاقة الداخلية للفرد. بينما تري النظرية النفسية الاجتماعية أن العنف غريزة تدميرية ملتصقة بالفرد بصورة جِبلّية، أو هو تقليد لنماذج العنف التي يراها الشاب في مجتمعه وخاصة المواد الإعلامية العنيفة التي تبثها وسائل الإعلام على مدار الساعة، وهناك وجهة نظر أخرى ترى أن هناك بعض المنظمات الاجتماعية بالمجتمع تدعم وتشجّع العنف، كتشجيع أولياء الأمور أبنائهم على الاعتداء على الآخرين، أو على الممتلكات العامة، و هناك العنف الذي يصدر نتيجة للشعور بالإحباط الذي يسيطر على الفرد عندما لا يحقق بعض احتياجاته المشروعة كالزواج  وبناء أسرة، وكذلك هناك العنف الذي يصدر عن الشباب كردة فعل مضادة لعنف يمارس ضدهم من بعض القوى في المجتمع، وهذا العنف هو المسبب الرئيسي للعنف في مجتمعاتنا العربية[2]. 
على أننا سنقف مع سببين رئيسيين من أسباب انتشار العنف بين الشباب العربي والإسلامي، وهما: الفراغ، والقراءة المعوجة لنصوص الدين، بغية الوقوف أمامها ومعالجتها من العقلاء والنابهين.
إشكالية الفراغ
غالبًا ما يكون وقت الفراغ هو الوقت الذي يتحرر فيه الفرد من المهام الملتزمة بأدائها بصورة مباشرة وغير مباشرة.
ومما يُنتبه له، أن رسول الله r قد حذّر من ضياع الفراغ فيما لا يفيد، فدعا إلى استثماره، ونعته بالنعمة، فقال r: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ"[3].
 على أننا يجب أن نتفهّم أن الفراغ الفكري كذلك هو الأشد خطورة وأحد الأسباب الرئيسة في تكوين ظاهرة العنف لدى الشباب، فالفراغ الفكري ليس مقصوده خلو عقل الإنسان من المعلومات، وإنما خلو عقله من الفكر الذي هو ناتج عن جمع معلومات من مصادر مختلفة وتحليلها والاستفادة منها والخروج بقناعات وثوابت فكرية محددة.
ويشير بعض الباحثين إلى أن الفراغ الفكري يرجع إلى:
1-    الجهل الناتج عن الأمية الفكرية.
2-    عدم وجود التوعية الأبوية الكافية منذ الصغر.
3-    عدم مبالاة الإنسان بالأحداث التي تجري حوله والاستفادة منها.
4-    عدم وجود مناعة فكرية تقي العقول من الغلو والإفراط الفكري[4].
العنف باسم الدين!
إن أشد التحديات التي تواجه الشباب المسلم اليوم، والتي توصله إلى العنف باسم الدين، غالبًا ما تكون بسبب القراءة المنقوصة للنصوص، وهي التي تنبع إما من غرور أو هوى أو قراءة خاطئة للنصوص الشرعية وخلل في فهمها.
فالهوى هو ما تدفع به النفس صاحبها لتحقيق حظوظها، وقد نهى الله تعالى عن ذلك، وخاطب به نبي الله داود بقوله: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [5]﴾.
ولقد رأينا الأهواء ممزوجة بلباس زائف من الدين في أمثلة عديدة من التاريخ، فالذي قتل الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه هو عمرو بن الحمق الذي ظن أنه فعل ذلك ديانة، وقد طعنه تسع طعنات، وقال حينما طعنه :"فأما ثلاث منها فإني طعنتها إياه لله، وستٌ لِما كان في صدري عليه"[6]!
ولذلك حذّر الإمام الشاطبي من أصحاب الأهواء، فقال:"فكذلك صاحب الهوى إذا ضل قلبه وأُشرب حبه لا تعمل فيه الموعظة، ولا يقبل البرهان ولايكترث بمن خالفه"[7].
وثمة إشكالية أخرى، تتسبّب في ذلك، هي اعوجاج منهج الشاب في التلقي الشرعي والديني سواء من المجاهيل أو الوسائل الإعلامية والتوعوية غير المنضبطة، لذا الأصل في منهج التلقي أن يكون عن القرآن والسنة والأئمة العدول، والالتزام بقواعد الاستدلال الشرعي، والمتأمل في الوقائع يجد أن أكثر من ترك الحق أو صدَّ عنه، واتبع الباطل كان سببه هذا الخلل[8].
ومما يُروى عن نتائج هذا الاعوجاج في التلقي، وسوء الفهم عن الله ورسوله r، ما ذكره ابن قتيبة أن "واصل بن عطاء كان في رفقة فلقيهم ناس من الخوارج، فقالوا لهم: من أنتم؟ قال لهم واصل: مستجيرون حتّى نسمع كلام اللّه، فاعرضوا عليّنا. فعرضوا عليهم فقال واصل: قد قبلنا. قالوا: فامضوا راشدين. قال واصل: ما ذلك لكم حتى تبلغونا مأمننا. قال اللّه تعالى: "وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام اللّه ثم أبلغه مأمنه" فأبلغونا مأمننا. فجاءوا معهم حتى بلغوا مأمنهم"[9]، وهي الحكاية التي تتكرر بتكرر سنة سوء الفهم عن الله ورسوله في كل زمان ومكان!
آثار العنف الشبابي
إن آثار العنف الشبابي على المجتمعات العربية شديدة الخطورة، وعلى رأسها ذلك العدد المفزع من حالات القتل السنوية، لكن الأشد خطورة هو أولئك الذين مروا بتجارب العنف ولم يلقوا حتفهم، فلقد ذكرت منظمة الصحة العالمية في تقريرها لعام 2011م "أنّ حالات العنف غير المميتة المُسجّلة بين الشباب لا تسهم بقدر وافر في العبء العالمي الناجم عن الوفيات المبكّرة والإصابات والعجز فحسب، بل تلحق أيضاً بوظائف الشخص النفسية والاجتماعية آثاراً خطيرة تدوم مدى الحياة في غالب الأحيان. ويمكن أن يؤثّر ذلك على أُسر الضحايا وأصدقائهم ومجتمعاتهم المحلية. ويزيد عنف الشباب، بشكل كبير، من التكاليف الصحية وتكاليف خدمات الرعاية والعدالة الجنائية؛ ويتسبّب في خفض الإنتاجية وتراجع قيمة الممتلكات وتفكيك النسيج الاجتماعي عموماً"[10].

نُشر في مجلة الوعي الإسلامي الكويتية - عدد  595 ربيع الأول 1436هـ - يناير 2015 م




[1] منظمة الصحة العالمية – صحيفة وقائع رقم 356 لسنة 2011م.
[2] صلاح الدين عبد القادر: مقال بعنوان "العنف المنتشر بين الشباب، الأسباب والحلو"،  المركز الوطني لأبحاث الشباب – جامعة الملك سعود.
[3] صحيح البخاري 7/170. دار الفكر – بيروت.
[4] رانيا نظمي: علاقة الانحراف الفكري بظاهرة الفراغ عند الشباب – من منشورات قسم الثقافة الإسلامية، جامعة الملك سعود.
[5] (ص26)
[6] ابن كثير: البداية والنهاية 10/309. تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر للطباعة، الطبعة الأولى – الرياض، 1997م.
[7] الشاطبي: الاعتصام 2/778، 779. تحقيق سليم بن عيد الهلالي، دار ابن عفان، الطبعة الأولى – الرياض، 1992م.
[8] محمد سويد الدقلة: الشباب ومواجهة تحديات العصر، منشور ضمن تدويناته الخاصة.
[9] ابن قتيبة: عيون الأخبار 1/293. دار الكتب العلمية – بيروت، 1997م.
[10] منظمة الصحة العالمية – صحيفة وقائع رقم 356، لسنة 2011م.